قرار شطب عبدالحق بن صالح نهائيا: أين الصواب ؟... وأين الخطأ ؟

عودتنا اللجنة المركزية للتاديب للجامعة التونسية لكرة اليد بقراراتها الشجاعة التي اصبحت صالحة للاعتماد في فقه القضاء... الا ان المتأمل في سير القضية وما حف بها الى غاية النطق بالحكم تشده بعض المحطات... ودون مناقشة نص الحكم بتأييده او مراجعته بالزيادة او النقصان

فذلك من مشمولات هيئة الاستئناف وهي في قضية الحال اللجنة المستقلة نظريا إلا ان تعيينها من طرف الجامعة ينزع عنها الاستقلالية... دون ان يذهب اي كان بعيدا تحليلا او تاويلا... وهذا الموقف قلناه وكرّرناه في خصوص ما يتم الزعم في جميع الجامعات على انها لجان مستقلة... فالاستقلالية لا تاتي بالتعيين فهي لا تكون نابعة الا من صناديق الاقتراع.

وهذا الباطل الذي ارادت منه الهياكل حقا لا بد له من الغاء وهو يخص جميع اللجان الانتخابية في الاندية والجامعات ومعها هياكل التأديب... والغريب ان نجد صلب هذه اللجان رجال قانون لهم القدرة على التمييز بين الاستقلالية والتبعية.
وهي تسقط عنها الصفة باعتبارها طرفا في القضية وهي التي تولت تحرير التقارير التي اعتمدتها لجنة التأديب والحالة تلك ستجدنا ازاء مآزق غير مسبوقة.
وما اكدت عليه لجنة التاديب انها اعتمدت مبدأ «صفر تسامح» وهذا مبدا اخلاقي بالأساس فلا مجال للتسامح مع التجاوزات التي لها صلة بالأخلاق...

وبعيدا عما استشهدت به اللجنة من نظريات, فالاهم هنا ما تعلق بالوقائع والإجراءات فخروج بن صالح من مقر تربص المنتخب اكد عليه اللاعب انه كان بطلب من المدرب حافظ الزوابي الذي له حرية القرار دون نقاش للاسباب الفنية او التاديبية ويستفاد من أوراق ملف الحال، ورود تقرير كتابي محرر من الاطار الفني لمنتخب الاكابر لكرة اليد تضمن اشعارا بارتكاب اللاعب الدولي في صنف الاكابر عبد الحق بن صالح لجملة من التجاوزات اثناء تواجده مع المنتخب الوطني للاكابر في تربص مغلق بمدينة نابل و تتمثل التجاوزات بالأساس في واقعة تعمد اللاعب من تلقاء نفسه مغادرة مكان اقامة وفد المنتخب دون اشعار او ترخيص مسبق بتاريخ 24 جويلية 2016 و ذلك قبل بضعة ايام من تاريخ تحول الوفد الى البرازيل لخوض الدورة الاولمبية بريو دي جانيرو 2016 كما اشار التقرير الى

ان اللاعب قد تعمد الادلاء بتصريحات صحفية خطيرة و غير مألوفة، مصطبغة بمعطيات مغلوطة وفيها مس من اعتبار و شرف عناصر الفريق.

وعند مباشرة اجراءات التحقيق في الملف التأديبي الخاص باللاعب عبد الحق بن صالح وفقا لاجراءات وصيغ الفصل 155 (مكرر) من التراتيب العامة للجامعة التونسية لكرة اليد تمت دعوة اللاعب المذكور إلا ان عدم حضوره لم يمنع من الاصرار على ضمان حق الدفاع وهو ما تم من خلال التأجيل وهذه ميزة تحسب للجنة التأديب التي استمعت في وقت لاحق للاعب طبقا للقانون (والى حد الان يبقى التمشي سليما) لكن لماذا تمت دعوة الكاتب العام للجامعة وممثل عن الادارة الوطنية الفنية للحضور بصفتهما عضوين ملاحظين... فهنا لا يستقيم الامر فكلاهما امتداد للمكتب الجامعي وهو «الضد» في قضية الحال... ولا يمكن لممثليه القيام بدور الملاحظ وحضورهما لا يمكن ان يحصل الا للإدلاء بشهادة أو نيابة المكتب الجامعي ان حصل تفويض للغرض والحالة تلك لا يمكن ان يكون الشاكي معزز المكانة على المشتكى به وهذا ما يقرّ به العدل.

وعند استجوابه أفاد اللاعب عبد الحق بن صالح انه غادر مكان التربص بطلب من مدربه حافظ الزوابي بعد ان تولى هذا الاخير ايفاد لاعبين اثنين قصد اعلامه بذلك مبينا انه امتثل لقرار مدربه.
وهنا تجدنا ازاء تناقض بين اقوال اللاعب ومدربه والحالة تلك فان دعوة الشهود كانت مستوجبة على الهيئة الحكمية كما ان المكافحة كانت ضرورية لان الحكم يتعلق بمصير لاعب تم شطبه نهائيا من المنتخب مع تغريمه بـ60 ألف دينار وحرمانه من اللعب مع فريقه مدة 4 اشهر.

بعيدا عن تاكيد موقف المدرب او اللاعب... فالتناقض يفضي الى الشك.... والقاعدة تقول ان الشك يفيد المتهم... ولو حصلت المكافحة لتمت ازالة الغشاء وبان الحق من الباطل باكثر جلاء... ولعل لجنة التاديب اعتمدت رسالة الاعتذار الصادرة عن بن صالح كحجة ضده لكن الاعتذار حصل في خصوص التصريح الصحفي الذي كال فيه التهم لزملائه وهي تهم تسيء للشأن العام الرياضي و للمنتخب ومن حيث القانون فقد اعتمدت لجنة التاديب احكام الفصل 155 (مكرر) من التراتيب العامة للجامعة التونسية لكرة اليد باعتباره نص الاحالة على اللجنة في صيغتها الفرنسية ما يلي :

( Article 155 (bis) :
« Les membres de la Fédération, des Ligues et des commissions, les clubs affiliés à la fédération et leurs dirigeants licenciés ou non licenciés auprès de la fédération, les arbitres, les délégués de matchs, les auxiliaires de l’arbitrage et plus généralement toute personne ou structure ayant une relation directe ou indirecte avec la gestion, la pratique et la promotion du Handball en Tunisie, qui commettent une infraction en méconnaissance des règlements et de leurs obligations légales et éthiques, sont passibles de poursuites disciplinaires notamment pour tout acte de fraude sportive, tout manquement manifeste aux règles du fair-play et de bonne conduite qui est de nature à porter atteinte à l’image, à la réputation et à la considération et la crédibilité de la FTHB, ses instances et partenaires et aux valeurs d’exemplarité et d’intégrité véhiculés par le handball et aux règles d’éthique et de bonne conduite.

وهنا تجدنا من الملحين من جديد على ضرورة تعريب النصوص الرياضية امتثالا للدستور وبكل تاكيد والاهم من ذلك تفاديا لاي تاويل او زيادة او نقصان عند التطبيق) وحتّى بالرجوع الى اوراق الملف ، يتضح ان التتبعات المثارة ضد اللاعب عبد الحق بن صالح تنحصر في عدد 2 من المآخذ وهي التالية : خطأ اول يتمثل في مغادرة اللاعب لمكان التربص في الاسبوع الاخير من تحضيرات المنتخب دون سابق اشعار وبدون ترخيص مسبق باعتباره من اللاعبين المنتمين للقائمة النهائية التي تم ضبطها قبل الدخول في التربص الاخير بمدينة نابل و الخطأ الثاني يتمثل في الادلاء بتصريحات صحفية خطيرة فيها مس من سمعة وشرف مدربه وبعض زملائه من اللاعبين لدى اتهامهم باقامة علاقات جنسية داخل مقر التربص بعلم من المدرب. وحيث على الصعيد القانوني، و لئن كان من اوكد واجبات اللاعب الدولي على الصعيد الرياضي الالتزام ببذل العناية القصوى une obligation de moyen من اجل تحقيق احسن النتائج الرياضية الممكنة مع المنتخب الا ان طبيعة ذلك الالتزام يكون مختلفا و يرتقي الى مرتبة الالتزام بتحقيق نتيجة une

obligation de résultat متى تعلق الامر بوجوب التقيد بقواعد الانضباط و احترام الاخلاق الرياضية و التحلي بسلوك مثالي من طرف اللاعب الدولي تجاه محيطه الرياضي بمختلف مكوناته و المتعاملين معه من جمهور رياضي وهياكل رياضية و المستشهرين والمسؤولين الساهرين على تسيير اللعبة.

و حيث ان صفة اللاعب الدولي في صنف الاكابر تفترض توفر قيم النضج و الجدية في جانب صاحبها بما يجعل من اللاعب الدولي نموذجا رياضيا من اوكد واجباته الحفاظ على السمعة و الثقة التي تتمتع بها رياضة كرة اليد لدى الهياكل الرياضية ولدى العموم والرياضيين و المستشهرين ويتعين على اللاعب مراعاة ما تم بذله من وسائل و تكاليف في تكوينه و نحت مساره في مختلف اصناف المنتخبات الوطنية التي تدرج صلبها وما تم بذله في شأنه من تكاليف و وسائل مالية بتمويل من اموال المجموعة الوطنية و حيث تبين بالاطلاع على السجل التأديبي للاعب عبد الحق بن صالح، ان هذا الاخير قد سبق ان ارتكب تجاوزات سابقة من خلال مقاطعته لنشاط المنتخب الوطني بدون سبب شرعي و قد تمت معاقبته بالحرمان من ممارسة النشاط الرياضي بموجب قرار سابق صادر تحت عدد01 / 2013 بتاريخ 28 ديسمبر 2013 عن لجنة فيدرالية خاصة تابعة للجامعة التونسية لكرة اليد.

و حيث ان اللجنة المركزية للتأديب تتشدد في قراءة الوقائع متى كان مجال نظرها يتعلق بالتحقيق في افعال فيها مس من الاخلاق الرياضية و هيبة الهياكل الرياضية و سمعة اللعبة و يتم تطبيق مبدأ «صفر تسامح» principe de tolérance zéro في تمحيص و تكييف الوقائع و هو مبدأ يحكم سير اعمال الهيئات التأديبية الرياضية ومن تبعاته الطبيعية أن الهيئات التاديبية الرياضية لا تتعامل بضعف و تساهل مع ما يمكن أن يشكل تهديدا للرياضة والقيم التي تبثها.
و حيث ان توفر صفة اللاعب الدولي في جانب الطرف الواقع تتبعه تأديبيا تجعل من سلطة اللجنة مقيدة في التشدد في قراءة الوقائع و تطبيق مبدأ «صفر تسامح» مع الاخذ بعين الاعتبار ما صدر عن اللاعب من ندم لاحق امام انظار اللجنة و حيث أن ما ارتكبه اللاعب

هو من قبيل الخطأ الموجب للمؤاخذة التأديبية على معنى احكام الفصلين 155 (مكرر) و151 من التراتيب العامة للجامعة التونسية لكرة اليد باعتباره يمس من الاخلاق الرياضية و تكون سلطة الهيئات التأديبية مقيدة في المجال الرياضي بوجوب اجراء رقابة على مدى احترامها و هو ما كرسه بوضوح فقه قضاء المحكمة الرياضية الدولية

(CAS 2014/A/3665, 3666 3667 Luis Suárez, FC Barcelona Uruguayan Football Association v. FIFA)
و حيث ان الضرر اللاحق بالجامعة التونسية لكرة اليد جراء سلوك اللاعب هو ضرر ثابت باعتبار الآثار الخطيرة للتصريحات الصحفية التي خرجت من دائرة التصريحات المسموحة و المألوفة في المجال الرياضي وما فيها من مساس بهيبة الجامعة و الصورة المثالية التي تسعى الى بثها وبالنظر الى تكرار التجاوزات المرتكبة من طرف اللاعب عبد الحق بن صالح في حق الجامعة التونسية لكرة اليد والمنتخب الوطني للاكابر بما يتعارض مع قواعد الجدية واحترام قيم الانتماء للمنتخب المفترض التشبع به، فان اللجنة تقرر التجميد

النهائي مدى الحياة للاعب و حرمانه من مباشرة جميع الانشطة الرياضية مع المنتخب الوطني للاكابر لكرة اليد وتسليط عقوبة مالية رادعة على اللاعب في حدود مبلغ ستون الف دينار بعنوان جبر الضرر اللاحق بالجامعة التونسية لكرة اليد و استرجاع مصاريف تكوين اللاعب المتكبدة في مختلف اصناف الشبان الى غاية وصوله الى صنف الاكابر و تكون الخطية المالية واجبة الدفع بصفة فورية مع تعليق نشاط اللاعب بصفة آلية و فورية الى حين الخلاص الكامل والتام لمعلوم الخطية المذكورة تسليط عقوبة رياضية عليه بالحرمان من اللعب على مستوى الاندية طبقا للمدة المنصوص عليها صلب الفصل 155 (مكرر) من التراتيب العامة للجامعة التونسية لكرة اليد، الا ان قرار تسليط العقوبة يقتضي من الناحية القانونية الصرفة ان تتم فيه مراعاة القيود و الضمانات التي كرسها التشريع المنطبق في

المادة الشغلية بما في ذلك حق الرياضي في الشغل و عدم فقدانه لفرص العمل لفترة يستحيل من بعد انقضائها تدارك حالة البطالة التي قد تلحقه جراء العقوبة المسلطة عليه بالحرمان من النشاط و تكون اللجنة مطالبة بالتوفيق بين واجب تحقيق المقصد من الردع على الصعيد الرياضي من جهة و من جهة اخرى ضمان الحقوق التي تضمنها التشاريع المنطبقة في المادة الشغلية للاعب باعتبار الطابع المعاشي لنشاط كرة اليد بالنسبة للاعب الذي يمثل مورد رزقه الوحيد و باعتبار الضمانات و القيود القانونية التي تكفلها النصوص الحمائية المنطبقة في مادة الشغل والتي تهم النظام العام الاجتماعي.

ولعل ما يريح في الحكم هو ما سعت له الهيئة القضائة من مراعاة للجانب الاجتماعي وعدم الخلط بينه وبين الرياضي حفاظا على مورد رزق اللاعب وهذا ما يمكن الاستئناس به مستقبلا في باب فقه القضاء الرياضي.

و للحديث بقية
مع تحيات الطاهر ساسي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499