عرض «الـ 24 عطر: تونس عشقة» في اختتام مهرجان قرطاج الدولي: نجحت العطور في تحقيق وحدة فشلت فيها السياسة

فاحت العطور، فاحت عطور تونس وانتشر شذاها، على ركح قرطاج العظيم عبقت

رائحة تونس فاح الاكليل و تماهى مع رائحة الزعتر والشيح، هفهفت نسمات الجبل حاملة معها عبق الياسمين مخلوطا بشذى السخاب مصنوعا من عنبر فوّاح زكيّ الرائحة، انتشر عطر الجزر وفاحت رائحة الاسماك وصولا الى تخميرة العيساوية والجلوة الساحلية.
على ركح قرطاج فاحت عطور تونس في عرض الـ24 عطرا لمحمد علي كمون واخراج لامير العيوني ورسومات لمحمد علفي كراي، عرض تونسي اساسه البحث في أغاني تتغزل بالمرأة التونسية.

ثلاثة اعوام من البحث والنتيجة مبهرة
بالموسيقى صنع معجزة، وحّد التونسيين الذين فرقتهم السياسة و الاحزاب و الافكار المختلفة، في عرض موسيقي واحد جمع الشمل ووحد كلّ التونسيين، تونس من بنزرت لبرج الخضراء، من اعلى الجبل الى اعماق الصحراء، تونس من البحر الى الجبل و الوسط الى الصحراء، من المدن الى الارياف تونس بكل تلويناتها الموسيقية كانت حاضرة في عطور محمد علي كمون.

ثلاثة اعوام من البحث الميداني او يزيد، ثلاثة اعوام من الاقامات الفنية، من التنقلات في جهات البلاد، من البحث في الذاكرة الشعبية عن الاغاني التي تتغزل بالمرأة، ثلاثة اعوام او يزيد من متعة التعرّف على تونس بكل الوانها، ثلاثة اعوام من اللقاءات مع عجائز يحفظن حكايا الاجداد ويرددنها في الاعراس حكايا توثق للحروب ولقصص الحب وتاريخ لم يكتب ايضا، ثلاثة اعوام من التجوال و المختبرات في الجبل و الصحراء و الزوايا و القصور الصحراوية ثلاثة اعوام كانت نتاجها في اختتام مهرجان قرطاج الدولي في دورته الرابعة والخمسين مع عرض عطور عرض تونس او «ريحة تونس».

عرض 24عطر لا يمكن ان يكون مجرد عرض موسيقي وفرجوي فبعد ثلاثة اعوام من البحث كان اللقاء مع بلسم اسمه الموسيقى، كيف لا تشفى من جراح الزمن وانت امام سحر نوتات كمنجة العاشق الابدي زيادي الزواري، كيف لا تنسى هواجس الاني وانت تستمع الى نوتات قانون محمد علي التريكي ، كيف لا تعشق تونس وقبالتك سمر بن عمارة المراة الوحيدة المختصة في الزكرة، كيف لا تتجاوز محن الموجود و لطفي صوّة سيد الايقاع و جنون انور بوجليدة عازف الباطري ومعهم محمد صالح العيساوي شيخ التراث في الكاف عازف الطبل؟ هل لك بنسيان الجذور امام ناي احمد ليتيم الهادئ جدا و نبيل عبد المولى الخبير في مغازلة شرايين القلب و العزف على اوتارها برفقة محمد علي واردة عازف الزكرة التقليدية؟ كيف لا تستمتع وامامك عازف جد تلقائي امين صمود وجنونه وصخبه على الركح يقابله جنون امين العيادي عازف المزود المميز

24عطر هي عطور تونس هي خلطة جميلة جمع فيها محمد علي كمون عبق تونس و امهر العازفين الذين كتبوا الياذة للحب وصنعوا دستورهم الجديد دستور فصله الاول الموسيقى، خلطة اشرف على إخراجها المبدع امير العيوني فتماهت الافكار حدّ انجاز عرض مبهر.

عطور الاطلس الشاوي...عشق نساء الجبل صعب كما الطبيعة
امطار قليلة غازلت الجمهور ، قطراتها ورذاذها الممتع زاد من تمسكهم بالبقاء لمتابعة العرض، صوت القانون رقيق لنغمات يغازل الحضور، نغمات الكمان كهدهدة طفل صغير الكمنجات تعلن رسميا عن انطلاق جولة العطور، رحلة موسيقية انطلقت من جبل زغوان مع سفيان الزايدي الذي غنى «ان قربوا» و «يا كرام الحيّ» و «الخلاعة تعجبني» جولة في موسيقى المالوف، هادئة نغماتها و كلمتها غزلية ممتعة.

من جبل زغوان الى جبال سيكافينيريا في نفس العطر عطر الاطلس الشاوي، ترتفع النغمات تصبح صاخبة اكثر محمد صالح العيساوي بجبته التونسية يرفع الصوت و»يهزّ الطرق» ليغني للكاف لجبالها للتاريخ و للحب، محمد صالح العيساوي يغني ويغازل موسيقى الايقاعات يحدث الجمهور عن رئحة الوليفة، عن «ريحة السخاب الي ترد الروح» عن تاريخ «الهمامة» فالاغنية تأريخ لاحداث عرفتها الكاف ولم تدوّن.

ثم يتكلم البيانو بموسيقى سيمفونية ثم يتكلم الناقوز وتدق نورهان بالمهراس ليصدر صوتا قويا كما ترايتيل الصلاة، نورهان ابنة الكاف تغني لسيكافينريا تتغزل بنسائها على لسان عاشق يتمنى مرور «الكاليس» يخاطب الة الناي الهادئة ويبثها لواعج القلب ويسال « ا سيدي البيّ سرّحلي مولات الليّ (اللي هو الحزام الملون الذي تضعه المرأة البدوية)، ڤوللها وقتاش تجي، خلوني نقعد نتكلم».

من جبال الكاف الى عرباطة، من سيكافينيريا الى القطار احدى معتمديات قفصة، من العرعار والسرول الى الواحات و العيون الجارية، كما قوافل الرحل قوافل الباحثين عن الكلأ اولئك الذين ياتون من الداخل الى فريقيا للمرعي تكون القافلة الموسيقية من الطرق للرقروقي، الناي يصبح زكرة، تتماهى نغماتها مع الكمنجة مزيج موسيقي له نكهة خاصة، ليغني ايمن ابن القطار « يا مخايلة عالروج».

صوت القصبة يعلن انه موجود، مازالت الرحلة في عطور الشاوي من قفصة الى القصرين من عرباطة للشعانبي وسمامة والسلوم والموسيقى الحدودية وتغني ليليا بن شيخة «سودة ذبالة» بتوزيع اوركسترالي ممتع، لعطور الجبال متعتها، عطور فاحت بعبق الاكليل و الازهار البرية عطور متمردة وصعبة كما سكان الجبال وعشاقها.

يا ابن الصحراء...حدثنا عن عشقك الذي لا يفنى
على مهلك ايتها الموسييقى رويدك ماذا فعلت بعاشق متيم، يا ناي رفقا بقلوب المحبين وانت ايتها الكمنجة لطفا بأصحاب القلوب النقية فلازالت الرحلة طويلة ودرب العرض لم ينتهي بعد، انت يا سيد المكان البيانو رفقا بنا فلموسيقاك وقع اللهفة على المشتاقين.
زياد الزمواري يغازل كمانه موسيقى تفتت القلب والروح معا، يجيبها البيانو بنغمات اكثر رقة، على الشاشة رسمت رمال و نخيل فالرحلة اذا الى الهناك، الى البعيدة جدا الى اعماق الصحراء الى قصص الشهامة و قصص حب الى نوتات موسيقية مميزة لها عبق القتاد وصموده، الموسيقى مقدمة موسيقية عنوانها «نفطة» تكون مطية الرحيل الى الصحراء والعطور البدوية.

الجولة البدوية تنطلق من عمق صحراء تطاوين مع صوت شبابي مميز، فنان ينحت مسيرته الفنية بخطوات واثقة، فنان تعلم من الصحراء شموخها فكان شامخا كشيفرة معقدة عجز الكثيرين عن فهمها، معتصم الامير غنّى ريت النجمة، تغزّل بقصور تطاوين، وحكايا وامجاد السابقين تغنى بمعشوقته الابدية تطاوين غازلها وحدث جمهور قرطاج عن قصورها وعن معركها وشهامة الرجال وعزو النساء هناك «اليو عيدك يا تطاوين، وقصورك يا اهل الجود سابقينك من وين لوين».

«ريت النجمة» الاغنية الجنوبية قدت على ركح قرطاج بثلاث طرق مختلفة جمعت معتصم الامير بلحفته الجنوبية مع الشاب فوزي بلباسه الرياضي و المنجي المصاروي بجبة تقليدية و»عنقر كبوسو» ، ثلاث مدارس موسيقية مختلفة وبيئات اجتماعية متباينة وحدتها اغنية عشق.

من تطاوين الى الكوفة الصغرى نفطة ليغني الشاب فوزي «ريد خاطري» اغنية ميزتها الة الناي، تتواصل الجولة في الداخل، تتواصل المتعة والرحلة في الاعماق ومن الصحراء يصعدون قليلا الى الوسط الى المزونة من ولاية سيدي بوزيد ليغني المنجي مصاروي «شيّع شيّع» اغنية عن شهامة اهل الوسط وكرمهم « «شيع شيع، حناي ما نسكنوا كان في العلو، ومانكسبوا كان المليحة، ما نطعموا كان بالحلو رغم السنين الشيحة» فالاغنية عندهم وسيلة للتعبير عن اخلاقيات الجماعة ونواميس الافراد والعائلات الاغاني تكتب ملامح المجموعة و عم المنجي اكّد ان اهل المزوونة اهل الجود والكرم.

وين القاروس والبوري...وين الفن والحب
البيانو يكتب قصة عشق عازفه لمدينته، بالموسيقى يعود محمد علي كمون الي طفولته، مقدمة موسيقية يصحبه فيها زياد الزواري ليعزفا للجمهور حكايا الطفولة، «البرط» و سوق الحوت باب الجبلي و العباسية، السمرة و حكايا المدينة العتيقة بصفاقس في مقدمة العباسية التي اهداها الى روح الشهيد فرحات حشاد قبل اعلان الرحلة الى موسيقى الجزر والتسريع بصعود «لود» النوتات قبل فوات الوقت.

يتأرجح الجربي بطبله الكبيرة يحيي جمهور قرطاج، الى جانبه محمد علي وارده عازف الزكرة القرقنية بين جربة وقرقنة حديث بالموسيقى عن الجزر وسحرها، على الركح فتحي غرس الله باللباس القرقني التقليدي الى جانبه سليم جامعي ببلوزة مدنينية جد انيقة يغنون «سود لهذاب» و «حافلة في زروقا» و «شالة» تراث واحد نغمة واحدة وان اختلف الاسم، بالموسيقى تحديدا الطبال و الزكرة حمل كمون جمهوره في رحلة بين قرقنة وجربة ليستمتعوا برائحة البحر وجمال اسماكه من القاروس للبوري كما رسم كرّاي.

الحضرة النسائية فاح عطر الانوثة
لاتزال الرحلة ولاتزال للمتعة حضور من الجزر تتواصل المتعة البحرية صعودا الى المنستير وسوسة والمهدية، الى بهرج الحضرة النسائية، الى اغاني الماشطة و الجلوة الساحلية.
مقدمة موسيقية تنطلق من سيدي علي كراي الى سيدي بوجعفر جولة موسيقية في حضرة الاله اوسو حامي الحياة في بوجعفر فرحلة عبر الزمن الى ام الزي الجمالية وكراماتها مقدمة موسيقية تون مطية لاكتشاف خبايا المرأة سيدة العرض والحدث.
بلباسها المختلف، حرام وخلخال وتخليلة تغني نورهان بوشلغومة «ام الزين» و تمتعنا مريم الكناني بسحر الجلوة باغاني غزلية بالمرأة بانوثتها تصف جمالها و تبدع في القاء كلمات غزلية في «جلوتها» ، تتجلى العروسة تتغنّج على موسيقى الكمنجات، تبهر الجمهور بكلمات رقيقة وحركات اكثر رقة، الجلوة الساحلية في العرض استحضار لتونس البيّة تونس الجميلة تونس المعشوقة التي يتغزل بها عاشقها غزل الماشطة بالعروسة في جلوتها.

العيساوية تخميرة الختام
اوشكت الرحلة الموسيقية على الاختتام، البنادر تعلن انها جزء من العرض، صخب وضجيج موسيقى الصوفية ، صراخ ورقص هناك ، المبدع امين العيادي يعلن بالمزود عن الجولة في ربوع الموسيقى العيساوية، الخرجة تنطلق من دار شعبان الفهري خرجة موسيقية يسابق فيها المزود بنوعيه الة الزكرة و يشاغب امين العيادي رفيقه امين صمود، من دار شعبان يغني رياض عروس «البيضاء» ليجيه حسن سعدة من القيروان باغنية «يا لميمة» وحدها الموسيقى كشفت التاريخ المشترك للدار شعبان و القيروان في اغنية «البوهالية» التيث كانت خاتمة عرض الـ24 عطر، ختام بموسيقى صاخبة اذ دقت طبول الفرح وعلت الزغاريد وانلن كمون ان تونس ارلض لولادة الفرح تونس «ولاّدة» واولادها مبدعين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499