عرض «دندري» في مهرجان الحمامات الدولي: إشرب كأس «الدندري» وأنتشي بالموسيقى ...

موسيقى المهمشين، موسيقى المستضعفين، موسيقى من لا يملكون حريتهم الشخصية مومسيقى العبودية و الضيم و الظلم و لكنها من الاعمدة

الاساسية للموسيقى التونسية ورمز لهوية هذه الارض وجزء لا يتجزا من الثقافة الشعبية التونسية، عن موسيقى السطمبالي تتحدث عن سحر «الشقاشق» و جنون الالات الايقاعية وغنج الوتر و مرونة القمبري نكتب وعن عرض دندري لمحمد الخشناوي تفيض الكلمات علها توفيه حقّ البحث الموسيقي الممتع.

«دندري» عرض موسيقي فرجوي يبحث في موسيقى السطمبالي وقدمها للجمهور بمزيج مع الجاز و البلوز، عرض تونسي الروح قدّم لجمهور الحمامات ساعة وربع من الحلم و الرحلة الى عالم «الزوايا» و«الزيارة» وشربوا كأس «الدندري» حدّ الثمالة.

الموسيقى هوية وبحث في التراث المنسي
اختلفت التجارب الموسيقية التي ظهرت بعد الثورة التونسية، في ظل انفتاح المجتمع وتحرره من الديكتاتورية السياسية تحررت الانماط الموسيقية ايضا و ظهر شباب مبدع بحث في الموسيقات التقليدية وقدمها الى الجمهور بتوزيع شبابي جد انيق مع الحفاظ على الطبوع الاصلية ، بعد الثورة بحث الفنانون في الموسيقى التقليدية وقدموا عروضا مختلفة جميعها تنهل من موسيقى الزوي (جمع زوايا).

«الزوي» التي كانت فضاء مهمشا ومنسيا، فضاء يراه البعض مكانا للشعوذة و الشرك وآخرون يرونه مكان للاجتماع فقط :»للكسكسي واللحم» ففي كل زاوية تقام الزردة و الزردة مرتبطة عند البعض باكلة «الكسكسي»، في «الزوي» بحث الشباب ومنها اخرجوا الى العلن موسيقاهم، الموسيقى التي يجتمعون حولها في الزاوية.. الموسيقى التي يرونها عنوانا للتداوي من الارواح الشريرة.

وفي كتابه حول السطمبالي، يشير المستشرق ريتشارد ينكوفسكي إلى أن هذه الموسيقى لا تقدم وصفة سحرية للشفاء الكلي، بل أنها تفتح مساحة تفاعل بين الإنسان والأرواح التي تسكنه عبر وساطة إيقاعية، فتتكلم هذه الأرواح على لسان «العريفة» التي تُشخّص حالة المريض وتحدد أيّا من الأرواح تسكنه، ليعزف بعدها الينّا الموسيقى الكفيلة بتأدية الوظيفة العلاجية المناسبة. يَجدُر بالذكر أن ثقافة الأرواح في موسيقى السطمبالي مختلفة تماماً عن ثقافة الجن في الموروث الإسلامي. فالجن سليل تفكير شرقي، فيما الأرواح التي هي محور الجلسات العلاجية في السطمبالي تنحدر من ثقافة إفريقية كما جاء في موسوعة «معازف» المختصة في الموسيقى.

السطمبالي المنسية اخرجت الى العلن واصبحت مادة موسيقية وثقافية تحتل مكانة هامة في المشهد الاعلامي والبحثي والتظاهرات ودندري احد العروض التونسية القائمة اساسا على البحث في الهوية التونسية خاصة موسيقى السطمبالي.

دندري الشراب الحلو والموسيقى اشد حلاوة
المكان ركح مهرجان الحمامات الدولي، الحدث عرض «دندري» لمحمد الخشناوي وثلة من فرسان الموسيقى التونسية، الة الدرامز تعلن عن بداية الرحلة الموسيقية الى اعماق تونس الى الزوايا حيث تقام «الزيارة» و ما يتبعها من موسيقى تصل حدّ «التخميرة».

صوت الشقاشق يعلن عن الرحلة تلك الصفائح المعدنية ذات الجرس النحاسي تشير الى صوت الاغلال وطرق الحديد التي ترافق العبيد الزنوج من افريقيا السمراء خاصة من التشاد الى شمال افريقيا موسيقى الشقاشق كانها صرخات المستعبدين وانينهم، فموسيقى الجمبري الرقيقة وهي الة وترية ايقاعية تونسية من اساسيات موسيقى السطمبالي.
رحلة موسيقية عنوانها البحث في هوية هذا الوطن والمزيج الموسيقي المختلف المكون له، الرحلة تبدأ مع اسم العرض «دندري» وهو مشروب حلو المذاق يقدم للزوّار مكونا من الماء والحليب والدرع والسكر وعادة يصنع فوق تابوت الولي الصالح اي انه مشروب مرفوق بهالة روحانية مميزة، وبموسيقاهم قدموا لحظات من الشغف والتخميرة تعادل شراب الدندري.

تندفع الموسيقات من الالات المختلفة الى جانب الالات التقليدية يكون الحضور لالات غربية مثل القيثارة والقيثار باس بالاضافة الى البيانو الكلاسيكي، مزيج موسيقي ممتع قدمه الخشناوي وكامل المجموعة ليطفئوا تعطّش الجمهور الى الاصل، مزيج السطمبالي مع موسيقى البلوز اعطى الفارق لعرض «دندري عن بقية العروض التي تقدم موسيقى السطمبالي.

في دندري تحملك الموسيقى الصاخبة الى الزوايا، تتجول في سيدي منصور و تسمع الاساطير التي قيلت في كراماته، موسيقى الشقاشق جد مرتفعة تصاحبها ايقاعات الدرامز الصاخبة فتفعل في الجمهور فعل السحر وتجعله يجيب بالرقص.

لجمهور الحمامات قدموا مجموعة من النوبات، من موسيقى السطمبالي والنوبة، سلوكية موسيقية لها طابعها الخاص وهويتها اللحنية والإيقاعية التي تمتاز بها، ويتم تخصيص كل علامة صوفية أو «ولي صالح» بنوبة تشمله.

غنى بلحسن معلم السطمبالي نوبة حمودة و بابا بحري وغنوا نوبة «نانا عيشة» وتركوا للموسيقى حرية التجوال في ربوع هذا الوطن من سيدي منصور الى شوشانات ميدون الى طائفة ڤبنطن ولئن اختلفوا جغرافيا فقد وحدت الموسيقى أغانيهم بحياة المهمشين لعقود.

«الينّا» الموسيقى تسكنه ويقاوم للحفاظ عليها
موسيقى القمبري هادئة ورقيقة موسيقى تغوص بك في داخل الروح البشرية تلامس جراحها واوجاعها مع القمبري تجدك تلتمس وجيعة العبيد الافارقة تسمع انينهم و تراقب عن كثب حركاتهم الوئيدة وأرواحهم المنهكة، فالجمبري الة تمس الروح وتخترق القلب، على الجمبري عزف محمد الينّا محمد الزواري غنى بلهجة تبدو غريبة فهي مزيج بين العربية والقجمي.

ومن يقول السطمبالي يقول «الينّا» عازف الجمبري تلك الالة الوترية التي يقال عنها تاج الينّا الذي يُرشد السامعين إلى بوابات اللحن الإفريقي ويطهّرهم من النشازات الخانقة.

«الينّا» هو سيد السطمبالي وعمودها الاساسي وروحها النابض وجاء في مجلة معازف تصريح لصالح الورغي تلميذ الينا عبد المجيدى ميهوب «أن السطمبالي قائم على التوريث الفني، فأنت تولد ينّا ولا تستطيع كسب اللقب دون بركات السابقين»، في دندري ابدع «الينّا» محمد الزواري في مغازلة القمبري و الرحيل بجمهور الحمامات الى روح السطمبالبي ووجيعة مؤديه، الى تاريخ موسيقي لم يكتب وانما حفظته الذاكرة، تاريخ حاول الاستعمار طمسه فاشتد عوده وحافظ على بريقه في الزوايا والتجمعات الروحية ثم بحث فيه عشاق الحياة ونفخوا في صمته من ارواحهم فتجلت موسيقى صاخبة صخب «البوسعدية».

«دندري» تجربة موسيقية شبابية اساسها البحث العميق في موسيقى السطمبالي تجربة تونسية الروح والبحث والمنشإ تجربة تطورت من عرض الى اخر اساسها حب التونسيين للبحث و الابداع عرض تونسي بملامح عالمية يستحق ان يكون في اكبر المهرجانات الدولية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499