مسرحية فريديم هاوس للشاذلي العرفاوي في مهرجان الحمامات الدولي: لا سلطة تعلو على المسرح

المسرح فعل نقدي متمرد ومشاكس، المسرح عنوان لولادة متجددة فعل نقدي ينفض الغبار عن المواضيع المنسية ويعيد الاعتبار للهامش

المسرح يكرم المنسيين و يعيد اليهم القلم ليكتبوا تاريخهم، في مهرجان الحمامات الدولي كان اللقاء مع عمل نقدي مميز، مسرحية «فريديم هاوس» للمخرج الشادلي العرفاوي عمل يسلط الضوء عن التفاصيل التي قد تغيّر مجرى التاريخ يوما ما.
«فريديم هاوس» اسم استمده العرفاوي من مدينتي «منزل حرب» و«منزل حر» في المنستير، من تناقض الاسمين ولد اسم العمل الذي يجسد شخصياته كل من شاكرة رماح ومحمد قريع و عبد القادر بن سعيد ومنى التلمودي وشكيب الرمضاني ومنصف بن مسعود عازف الترومبات الذي تميز على الركح .

حين يسودك مجانين السياسة
ظلام يسود المكان، سواد يحيط بالركح، صوت لطلقات رصاص وفرقعات تأتي من مكان بعيد، ثلاثة فوانيس توسطت الفضاء ظلام يحمل المتفرج الى ارض خلاء لا سكّان فيها، فالأحداث كما يبدو من البداية تدور في مكان بعيد جدا عن المدينة، صوت «»الترومبات» الملكية يعلن عن دخول شخصية مهمة، ربما هو ملك او امير او قائد، تنتهي الموسيقى ليجد المتفرج نفسه امام الجنرال المشير قائد القوى الثلاث القائد الاعلى المعظّم الاوحد و الوحيد للثكنة برفقته ثلاثة جنود، حينها نفهم ان مكان الاحداث ثكنة عسكرية ذات خميس اسود في كانون الثاني في ليلة ظلماء تعرضت الثكنة الى هجوم ارهابي وسرقة الملابس العسكرية «الكنبة» حد اختلاط العدو بالعسكري وحدوث اضطراب هائل.
الجنرال جسده الممثل محمد قريع، بلكنته الخاصة و طريقة المشي وحركات تثير السخرية جسّد شخصية الجنرال شخصية مركبة وغامضة شخصية قيادية المظهر بينما هي جبانة من الداخل ويخشى من «نسمة الهواء»، احداث العمل تحيلنا الى حدث ما ربما الى الثورة او التحركات الاحتجاجية العديدة او المشاكل التي عاشتها تونس من 2011 الى اليوم، قد يختلف التحليل وتختلف قراءة العمل ولكنه عمل ناقد بامتياز ينقد القياديين ايّا كانوا سياسيين او عسكريين او امنيين، عمل ينقد اصحاب الفكر الواحد والرؤية الواحدة أولئك الذين رأوا تونس ملكا لهم لا ينازعهم فيها منازع فتزعموا وحاولوا ولازالوا يحاولون ان يكونوا الرجل الاول القائد الذي لا نظير له .
في «فريديم هاوس» الجنرال هو صاحب الرأي الاوحد والاصلح، الجنرال اقنع الجنود انهم امام عدوّ متأهب للحرب عدو مجهّز باحدث التجهيزات العسكرية في برد جانفي يحرسون الثكنة المحاطة بحفرة شاسعة واسلاك شائكة يصوبون اسلحتهم على كلّ من يتحرك وكلّ مرة تكون الضحية «عروسة» او «لعبة» مصنوعة من القماش، «فزاعة» من صنع احدهم ربما من صنع الجنرال نفسه، تلك «الفزاعة» التي تخيف الجنود في المسرحية تضاهيها «فزاعات» كثيرة في واقع التونسي لعلّ اهمها الارهاب.

بعد سنوات من الحكم الاوحد والضيق، يتمرّد جندي ما ويقرر الخروج الى الخارج واكتشاف البلاد بعيدا عن حكايا الجنرال ورؤيته السوداوية لكلّ شيء، يتمرد ويخرج، لتكون النتيجة اكتشافه ان الجنرال مريض نفسي حاول الانقلاب فوضع في مصحة عقلية صحبة عازف الترومبات .
وكل الاحداث التي عايشوها من وحي خياله المريض وفي لحظة هدوء وسؤال انت شكون، يكتشف الجمهور ان كلّ الاحداث تدور في مصحة عقلية، الجنرال في الركن على كرسيه والجنود أحدهم يتسلم شارة القيادة لتنطلق رحلة حكم جديدة بمواصفات أخرى، فجميعهم مجانين يعيشون حالة تأهب للحكم .

المسرح المشاكس
فريديم هاوس مسرحية مشاكسة وناقدة، عمل ابداعي ابتعد عن المباشراتية ونقد واقع التونسي ونقد سياسييه واطاراته في كوميديا سوداء تضحك وتدفعك للتفكير في البلاد وسياسييها، عمل جريء ابتعد عن الصراخ و الثلب و المباشراتية ووجه رسائل نقدية مشفرة.
عمل جمع ثلة من امهر مسرحيي تونس، الفنان محمد قريع ابدع في دور الجنرال بمشيته الخاصة ولكنته المميزة ابدع في تجسيد شخصية مركبة تجمع العنف الظاهر والجبن الباطن شخصية مزج فيها بين مواصفات القيادة و المريض النفسي تركيبة عجيبة جسدها قريع بكل حرفية.
في فريديم هاوس نقد لحال الموظف التونسي، ذاك الذي يقضي يومه منذ الشروق الى المغيب في العمل، الموظف البسيط الحالم بسويعات راحة قليلة تلك التركيبة الهشة للتونسي جسدها عبد القادر بن سعيد فتجده حينا طيعا لينا في حديثه عن القهوة والسجائر ثم يعربد ويصرخ متى شعر باهانة رئيس العمل، تعقيدات اليومي جعل منها بن سعيد مادة مسرحية جسدها في الشخصية.

فريدم هاوس تعالج بأسلوب الكوميديا السوداء الواقع التونسي والإنساني من خلال شخصية جنرال كان يخطط للقيام بانقلاب لكن اكتشف مخططه وانتهى به الأمر في مصحة للأمراض العقلية. مسرحية تبدو سياسية لكن الشاذلي العرفاوي يؤكد أن معنى الانقلاب في المسرحية أوسع من السياق السياسي، فهو في تقديره انقلاب فني اقتصادي اجتماعي إنساني، قيمي، وعلى ركح الحمامات قدموا عملا مسرحيا مشاكسا ناقدا سلط الضوء على تفاصيل اليومي التي قد تجعل من الانسان دكتاتورا او مجنونا.

المرأة...قوية دوما
كيف تتصرف راقصة «الكباريه» لو وضعت في منصب ما؟ هل ستتحمل المسؤولية حقا؟ اهي قادرة على القيام بأعمال اخرى غير الرقص؟ الاجابة تكون في مسرحية فريديم هاوس الذي حمل الجمهور ليعايش بعض ما تعيشه الراقصة في «الكباريه»، ما شعورها حين تجالس الزبائن؟ علاقتها بالمسؤولين والفلاحين؟ مدى معرفتها لحال البلاد؟ جميعها تفاصيل ربما لا يعرفها الكثيرون تفاصيل حاول الشادلي العرفاوي ان يغوص فيها لان الراقصة هي امرأة اختارت تلك المهنة بعيدا عن الاسباب اختارتها وتحاول ان تتقنها وتبدع فيها، مهنة تتطلب الكثير من الذكاء والفطنة في التعامل مع الزبائن.

لتجسيد شخصيتي راقصتي الكباريه اختار العرفاوي ممثلتين من أجمل ممثلات تونس وأكثرهنّ حرفية، الجميلة شاكرة رمّاح و المبدعة منى التلمودي، في مشهد اول يكنّ بلباس الراقصات القصير يتحدثن عن الكباريه وماتحمله داخلها من اسرار الرجال وحكاياهم، ينتدبهنّ الجنرال ويصبحن جنديات يحرسن الثكنة، تتطور الاحداث يحاول ان يفرّق بينهنّ فيكون نصيبه التسميم، ثم تتضح معالم المسرحية. في شخصيتي الممرضة، التلمودي ورماح ابدعتا في تجسيد شخصيات مختلفة تجمع «دلع الراقصات» و «شدة الجنديات»، بين «لين الراقصة» و «قوة المرة وجبروتها» تناقض أبدعت الممثلتان في تجسيده.

فريديم هاوس عمل مشاكس يسرق الضحكة من وسط التفكير من وسط السوداوية صنعوا طريقهم للامل، وما بياض لباس الممرضات اخر العمل الا عنوان للامل الموجود فينا الامل الذي يمكن توظيفه لمحاربة كل اشكال السواد في وطن يتنازع عليه الانانيون.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499