أمينة فاخت تعيد الروح إلى مهرجان قرطاج الدولي: سهرة الجنون والخروج عن القانون

وكأنّ عقارب الزمن توّقفت عندها، والطرب استراح عند عتبتها، والركح استرخى تحت قدميها... لتعود أمينة فاخت بكل قوّة وسحر

وكأنها لم تغب لسنوات طويلة عن المهرجانات الصيفية ولم تفارق جمهورها لأعوام وأعوام . كل شيء كان متلهفا لها ومتعطشا لفنّها... فكانت سهرة الخروج عن القانون على مستوى الحضور والركح والوقت... من قال إن الفنان التونسي ليس قادرا على ملء المسارح فيراجع حساباته إذا!
كسحر «تانيت» آلهة الحب في الحضارة القرطاجية، أطلّت أمينة فاخت كالآلهة على ركح مهرجان قرطاج في ليلة ابتسم فيها القمر ورقصت النجوم واهتزت المدارج فرحا وطربا...

سهرة في روعة الخيال
قد يصح وصفها بـ«الظاهرة» وقد يجوز وصفها بـ«الثورة» فوق الركح ... وهي التي ارتقت في قلوب عشاقها إلى مرتبة «الأسطورة». وبعودتها إلى الغناء بعد انقطاع دام حوالي 10 سنوات عادت الروح إلى مهرجان قرطاج الدولي. فكانت سهرة السبت 21 جويلية 2018 مع «الديفا» أجمل سهرات المهرجان إلى حدّ كتابة هذه الأسطر حضورا وقبولا وتفاعلا... والأكبر في المدى والصدى.

ليست أمينة فاخت مجرّد صوت من ذهب يلامس الخيال ويعانق القمر بل كان كلّ شيء فيها يصنع العجب... وكأنها بإشارات يديها تهدهد فينا الأمل والحلم وكأنها بتمايل جسدها في انحناء وانثناء تعزف لنا نوتات من الحياة لتهبنا لوحة فنية في منتهى الروعة تنفذ بكل رشاقة إلى الحواس فيتداعى لها طوعا وحبّا الإحساس.

بالتصفيق الحارّ والزغاريد والتهليل والتكبير... استقبل جمهور مهرجان قرطاج الدولي معبودته، وبكل شوق وحب عبرت أمينة فاخت فوق مسرحها كالخاطرة وضوء الفراشة... لترسل هنا وهناك موجات من الفرح وأغنيات من الطرب وآهات من القلب... لتنزل على الأفئدة المتعطشة لصوت «الديفا» بردا وسلاما.
ويبدو أن صخب أمينة فاخت على الركح وهي التي تضج بالحياة في صوتها وحركاتها وسكناتها... كان كالعدوى التي انتقلت إلى المايسترو محمد لسود وفرقته فكان الانسجام والتناغم في أبهى صوره. وهو ما جعل «الديفا» تتوّجه لقائد الفرقة الوطنية للموسيقى بالقول:» من بعد عبد الحميد بنعلجية لم أعرف مايسترو في إبداع محمد لسود.»

أمينة تقدّم مواهب جديدة على ركح قرطاج
ما بين أمينة فاخت وجمهورها الكبير معاهدة حب خالدة وقصّة عشق سرمدية. فليس من الغريب أن تهبه بسخاء إبداعا يلامس الجنون وفنّا منفلتا من المحدود والحدود... وأن يرضى هو منها بأي شيء ويسمح لها بكل شيء، فكل ما تغنيه مقبول وكل ما تفعله فوق الركح مسموح به. وإن قدمت أمينة فاخت في سهرتها على مسرح مهرجان قرطاج الدولي باقة من الأغاني على سبيل الإعادة على غرار «ولامرة»، «ع جبين عصابة»، «موعدنا أرضك يا بلدنا»... فقد أحبّها عشاقها بصوتها وكأنه يسمع هذه الأغنيات لأول مرة. وعلى بساط الريح، حملت أمينة فاخت جمهورها في رحلة من المتعة والنشوة على إيقاع أغانيها الجديدة، فصدحت بـ «يا بلادي» وتسلطنت في «سلطانة غرام»...

وإن حاولت أمينة فاخت أن تتظاهر بالرصانة والوقار في بداية حفلها بمهرجان قرطاج الدولي إلا أنها سرعان ما تخمّرت طربا وفنا وعادت إلى صخبها فوق الركح وجنونها على المسرح كالفرس المتمردة على القيود والجامحة نحو الحرية والانعتاق. فشحنت الجمهور بجرعات من الأمل والصفاء والانشراح...
سبق وإن وعدت «الديفا» بأنها في رجوعها للغناء على مسرح مهرجان قرطاج ستحمل بين يديها مفاجأة إلى جمهورها، فكانت أن فسحت الركح لصعود ابنتها «ملكة عويج» لتغني بالفرنسية «نشيد الحب» فصفق لها الحضور وحياها على جمال صوتها ... كما منحت أمينة فاخت الفرصة للشاب محمد علي شبيل الذي غنى «ليام كيف الريح في البريمة « ليبرهن على طاقة صوتية قد تعانق يوما مرتبة الكبار.
وقد أكدت أمينة فاخت أنها لم تقدم هذه المواهب الصاعدة من باب القرابة أو المجاملة بل إيمانا بها وتشجيعا لها لتنحت اسمها على صخرة الفن.

عندما يصرخ الجمهور: «ماناش مروحين»
تدّق الساعة منتصف الليل، لكن «سندريلا» لم تسرع الخطى بمغادرة الحفل ولم تكن بحاجة إلى خلع الحذاء للاهتداء إليها في زحمة البشر والصور... فقد اقتطعت لها منذ زمن جواز سفر مفتوح إلى قلوب الجمهور وحجزت لها إقامة دائمة في الوجدان والذاكرة. وبعد شوق إلى صوتها وتوق إلى إطلالتها... لم يكن من الهيّن على جمهورها فراقها وقد تجدّد اللقاء معها بعد سنوات وسنوات. وما بين قلوب واجفة تتمنى في سرّها ألاّ تغادر أمينة وتحدّ جميل في الحب، صرخ الجمهور في إصرار ورجاء: «ماناش مروحين» !
فاستجابت «الديفا» للرجاء ولبّت النداء... و بعثت من حنجرتها الذهبية بأغنيات كحبّات لؤلؤ تناثرت في السماء فانحنى لها الجمهور طربا وانتشاء...

في حدود الساعة الواحدة، لازالت أمينة فاخت - بعد انتهاء الوقت القانوني للحفل- تبدع في أداء أغنية «بجاه الله يا حب اسمعني» وكان الجمهور الغفير الذي نسي المكان والزمان يتمايل ويتفاعل... وإذا بها تغادر الركح دون أن تعلن عن نهاية السهرة ودون أن ترسل بتحية الختام إلى أحبّائها ربما لأنها تفادت أن يتوّسل إليها الجمهور في المزيد فيتعذر عليها المواصلة... ففي حكايات ألف ليلة وليلة لابد لشهرزاد أن تسكت عن حلو الحديث وأن تصمت عن الكلام المباح!

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499