مسرح «الأوبرا» بمدينة الثقافة: عرض «هكذا رقص الراعي»: صرخة ضدّ النسيان ونبش في ذاكرة الجسد

الرقص حياة وهو لغة الجسد التي لها القدرة لاعادة الروح للذاكرة وللمنسيين، بالجسد حدث كريم توايمة جمهور قاعة الاوبرا

عن الرعاة وحكاياتهم، بالرقص نقل هواجسهم واسرارهم نبش في الذاكرة الجماعية في حركتهم ليقدم عرض «هكذا رقص الراعي».

يرقص ليحيا يرقص لينتفض ويعبر عن رفضه للموجود يرقص ليزيد من تمسكه بجبله و ووفائه للارض وشويهاته واكليل الجبل يرقص ليحدث الجميع عن الارض عن الامل والالم عن التضحية و الموت في سبيل حرية الجبل.

الهدف من هذا العرض هو إعادة اكتشاف هذا التراث، أرشفته، وإعادة كتابته كتابة عصرية تسمح له بالمشاركة في أكبر مهرجانات الرقص في العالم.

«هكذا رقص الراعي» لباليه الرقص التونسي الجديد هو مشروع اكتمل بعد سنة ونصف من الاختبارات متبوعة بالتدريبات التي قام بها قطب الباليه والفنون الكوريغرافية وتوجت باختيار اثني عشر راقصا قدموا عرض «هكذا رقص الراعي».

أنا راعي... رأسي المفصول عن جسدي يشهد أنني وطني
انا راعي ، انا تونسي الجنسية، ولدت في ريف ما قريبا من الجبل في المغيلة و سمامة و الشعانبي و السلوم تعلمت ابجديات الحياة الاولى، تحت شجرة الاكليل دخنت سيجارتي الاولى، بين الحجارة حلمت بحبيبة ما حلمت بحياة تكون افضل، انا راعي اصاحب شويهاتي من الفجر واعود في القيلولة، من حشائش الجبل نأكل ثغاءها موسيقى حركات اجسادها رقصات فريدة، صوت الناي (القصبة) يصحبنا اينما كنا على ايقاعات الحجالي نرقص عند الضجر، انا راعي اعرف الجبل شبرا شبرا اعرف كل مداخله احفظ عن ظهر قلب تعرجاته و اسماء اشجاره ومكان الخضرة فيه واعرف المرعى الجيد شتاء والفضاء الظليل صيفا.

انا راعي صاحبت تقلبات الجبل وطقسه المزاجي، عاندت رياحه للوصول الى «كاف الحمام» اعلى جبل سمامة، انا راعي تسلقت اصعب الصخور للحصول على «الزعرور» انا راعي و الرعاة هم الاقرب الى الجبل، الرعاة هم الاصدقاء الحقيقيون لطيور الجبل الرعاة يعرفون سر الجبل وحكاياه، الرعاة اصدقاء الجبل سكانه الاصليون، انا راعي ويمكنني ان احدثك عن الجبل ساروي لك تاريخ غراسة بعض اشجاره و اروي لك حكايا بقية اترابي الرعاة سنقدم لك وصلة عن موسيقى الرعاة سنبهرك بحكاياتنا من بساطتنا ننسج الحكايا، هلا احدثك عن «دادا» زعرة او «يمّا» كما يحلو لي مناداتها، هلا حدثتك عن وشامها وما تركته السنون على محياها، هلا صحبتني الى اعماق الجبل وساخبرك بحكايات الجبل ومحبتي له..

محبة كانت سبب موتي، الا تعلم انهم ذبحوني، الم تعلم ان راسي فصل عن جسدي وارسل الى «دادا» فقط لانني راعي لانني احب الجبل لانني عرفت اسرار الجبل وبعض اسرارهم فذبحت وماتت معي حكايا الجبل ..حكايتي ربما نسيت ربما تناساها الاعلام و ربما نسيتها الدولة ايضا ولكن بقع دمائي ستخبرك عنها، حزن «يما» سيحدثك عن المي ووجيعتي عن خوف اترابي الرعاة عن حكاية قتلت قبل ان تكتب ،ولكن الجسد لا ينسى لغة الجسد قادرة على التعريف بكل القضايا لغة الجسد اعادت الحياة وذكرى الرعاة المغدورين في جبل المغيلة، على صوت الطبلة القوية والرياح العاتية وكانها عنوان للغضب رقص وباجسادهم كتب ابناء البليه الجديد حكاية الرعاة و نقلوا وجيعتهم وماسيهم بالجسد نقلوا احاسيس الحزن و الفرح و حملوا جمهور قاعة الاوبيرا الى المغيلة والسلوم وسمامة الى اكليل الجبل وحلفائه فلباس الراقصين مصنوع من الحلفاء و «الخيش» الذي يلبسه الرعاة او يضعون فيه طعامهم و «الخرج» رفيق كل الرعاة و في مسرح الاوبرا صنعوا من حكاية الراعي المغدور قصة امتعت الجمهور وبأجسادهم نقلوا حكايته وحكاية عشقه للجبل.

الجسد حكاية مشفرة
هلاّ سالت عن البسطاء والحالمين، هلا سالت عن الرقص و الموسيقى في حياتهم اليومية، هلا تساءلت عن كيفية قضاء الوقت و كيف يجدون الوقت للحياة؟ هلا سالت عن متعة الرعي؟ وموسيقى الجبل و ما يحلم به الراعي؟ هلا عرفت كيف يعيش الراعي وما مصاعب تلك المهنة و ما علاقته بقطيعه وذاك الرابط الغريب بينهما؟

ربما تساءلت ولكن كريم توايمة تساءل وبحث عن الرعاة عن رقصهم عن حكايا اجسادهم عن افكارهم، عن سر تمسكهم بجبلهم رغم صعوبة العبش فيه تساءل وعمل مع الباليه الجديد ليقدم عرضا مبهرا سماه «هكذا رقص الراعي» عرض ينطلق من اغاني الرعاة وحكياتهم، عرض يكون الرعاة ابطاله، الرعاة تراهم في حركات الراقصين الغاضبة وكانها تعبيرة عن رفضهم لغربان سكنت جبلهم، حركاتهم اللينة وكانهم يلاطفون خروفا صغيرا أو يركضون خلف جدي مشاكس، صوت «القصبة» يدك المكان وكانه تعبيرة عن اهازيج الجبل، صوت «خالتي مباركة» عن اصوات سمامة يغني «لا من يجينا» بصوته الشجي تستحضر اغاني الجبل وحكاياه تحملك الى رحلة في ربوعه تعايش النسوة وهنّ يقتلعن الحلفاء و يجمعن الاكليل و تحادث الرجال وهم يرعون الاغنام داخل الجبل عدد الراقصين وهم تسعة جسدوا حكايا الرعاة رقصوا على موسيقاهم ونبض قلوبهم وحكايا الروح والفكر هناك.

مع حركات الراقصين المنتفضة صوت عدنان الهلالي وهو يقرأ نصا عن الجبل عن الجبل الجامع الاكبر لاسرار الرعاة وحكاياهم الجبل الذي يصرّ أبناؤه على حمايته حد طرد من استوطنوه ظلما وعنوة، «الجبل جبلنا و الحكاية حكايتنا» كما يقول الجبل الذي نفرته القطعان بسبب الالغام واصوات الرصاص ورائحة الموت ولايزال الرعاة يدخلونه للبحث عن القوت وليكملوا تفاصيل الحكاية حكاية ابدع ابناء الباليه الجديد في تجسيدها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499