فيلم «ولد العكري» للحبيب المستيري بقاعة الكوليزي: لا وجود لحقيقة مطلقة.. التاريخ يتطّلب إعادة قراءة

«إن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار ولكن في باطنه نظر وتحقيق»

مقولة للعلامة ابن خلدون يعيش معها كل من يشاهد فيلم «ولد العكري» الذي يقدم بعين ثالثة قراءة أخرى للتاريخ التونسي، بعين سينمائية يكشف الحبيب المستيري عن أبطال آخرين غير الذين ينتموم للحزب الدستوري، أبطال حقيقيون ساهموا في استقلال تونس وان تناستهم الدولة، بعين ثالثة يدعو المستيري إلى إعادة قراءة التاريخ وتحليله بعيدا عن العاطفة، يدعوا إلى كشف جراح الذاكرة الجماعية ومحاولة مداواتها عبر تقديم نسخة حقيقية عن تاريخ تونس.

في «ولد العكري» العديد من الاسئلة والنقد، طرح للتاريخ ودعوة لإعادة البحث فيه، فيلم يرشح حبا وانسانية ويحمل الجمهور الى فترة حساسة من تاريخ تونس وبين الرواية والتاريخ تكون متعة السينما، و «ولد العكري» هو اول فيلم روائي طويل للمخرج حبيب المستيري ويشترك في بطولته احمد الحفيان وفاطمة ناصر والايطالية ايفانا بنتليو والممثل التونسي عاطف بن حسين والممثل محمد السياري.

الدولة ...تظلم أولادها دوما
السينما عنوان لتقديم احداث الماضي وإعادة قراءتها وربما فهمها والتوغل في تفاصيل الاحداث بنظرة أخرى السينما عنوان للحقيقة احيانا وقد تكون وسيلة لمعرفة ما تناسته كتب التاريخ.
كاميرا الحبيب المستيري تحملنا الى سنوات قبيل وبعيد الاستقلال، تقريبا من 1955 الى 1961، في تلك الفترة الحساسة التي شهدتها البلاد ستحملك كاميرا الحبيب المستيري في فيلم ولد العكري الذي سيراوح بين التاريخ و تقديم التحولات التي عاشتها تونس انذاك انطلاقا من عودة بورقيبة في جوان 1955 الى حد خطاب الدعوة الى معركة بنزرت.

أول الصور لجندي فرنسي يقرأ ورقة كتب فيها بأحرف فرنسية اسماء عربية وأمامها اسماء لبعض الولايات التونسية، الضوء أسود لذلك تظهر اليدان فقط وسط العتمة وكأنّ بالمصور يريد طمس هوية من المتلاعب بتلك الاوراق لمزيد من التشويق اولا وربما لإخفاء حقائق ثانيا.

بطل الفيلم احمد الحفيان في دور «حسون»، جندي تونسي الجنسية ينتمي الى الجيش الفرنسي، من اكثر المخلصين الى تونس والساعين الى استقلالها استغل وظيفته لكشف المعلومات عن تحركات فرنسا ويمد صديقه رضا المحامي «علي السياري» بكل المعلومات السرية الذي يوصلها بدوره الى المكتب السياسي للحزب الدستوري التونسي.
أحداث الفيلم تدور في موقعين أساسيين الاول «مقهى بحلق الوادي» و الثاني مكتب الضابط الفرنسي، في المكان الأول يكون النادل همزة الوصل بين الضابط التونسي «المتعاون مع الحزب التونسي ضد فرنسا» والمحامي، وكأن كاتب السيناريو يصرح ان هناك العديد ممن لم تدون اسماءهم في كتب التاريخ ساهموا في استقلال تونس وخاصة اولئك الذين كانوا يحملون الرسائل الى الحزب ورجاله.

في «ولد العكري» يسلط الحبيب المستيري الضوء على شخصية جد مهمة في تاريخ تونس، ويطرح السؤال عن مصيرهم وكيفية تعامل ابناء وطنهم معهم، «ولد العكري» اصبحت تهمة وأحيانا «سبّة» «كيف تقول انك تونسي وأنت ولد العكري، انت المشوه لأنك عملت تحت راية فرنسا» كما جاء في نقاش بين حسون وأحد أصدقائه حينما عبّر الأول عن رغبته في الالتحاق بالجيش التونسي كما وُعد سابقا، ولك ان تتساءل من الاكثر صدقا الضابط الذي عمل مع الجيش الفرنسي وأثناء خدمته كان الاكثر حرصا على امن التونسيين و الاكثر حرصا على ايصال كل المعلومات الى الحزب الدستوري والمقاومين؟ ام الاخرين الذين هتفوا في الشارع ليوم أو اثنين وبعضهم تواطأ مع فرنسا ضد المقاوين ثمّ توّجوا بمناصب في الدولة؟.

حركة الكاميرا تتأرجح بين الهنا والهناك، تنقل مراحل حياة «حسون» الجندي الفرنسي /التونسي في مكتب رئيسه في العمل يخيّر بين الحصول على الجنسية الفرنسية (فرصة نادرة للجيش الاهلي) ومعها رتبة ضابط و منزل و جراية تقاعد او مغادرة الجيش الفرنسي دون امتيازات، «حسّون» يختار تونسيته ويختار وطنه معتقدا ان له مكانه في الجيش التونسي، فتجازيه بلاده اولا بمحاولة اغتيال وثانيا برفض انتمائه للجيش التونسي «هناك اشاعة تقول انك شيوعي» واخرون يعتبرونه يوسفيا اشاعات تحطّم امال تونسي خسر الكثير من أجل وطنه.

في الفيلم تجدك امام شخصية جد مركبة وأحداث اكثر تعقيدا، الكثير من الضيم عاشته شخصية «حسون» وهو انموذج عن جنود كثر خسرتهم فرنسا و خسروا وطنهم فقط لأنهم «اولاد العكري»وعوض الاستفادة من تجاربهم ترميهم الدولة الى الهامش وعوض حمل السلاح او تدريب الجيش حديث الانشاء نجد حسون يحمل الصنارة ويصطاد السمك في البحر ليعيل نفسه.

تواصل الكاميرا مرافقة «حسون» الذي يستجيب لخطاب الحبيب بورقيبة ويقرر التطوع في معركة الجلاء ببنزرت، ينسى ان دولته تنكّرت له ويلبي نداءها ليموت في معركة الجلاء ولأنه «ولد العكري» حتى قبره لا يكون مع المجموعة وإنما يدفن في قبر على حافة البحر قد يجرفه الماء في اي حركة للمد والجزر.
في «ولد العكري» الكثير من النقد للدولة التونسية، نقد للدولة التي تظلم اولادها وان كانوا أوفياء نقد للدولة حديثة البناء التي نزّهت الظالمين و حشدت الصادقين في خانة النسيان «هذيكا الدولة تأكل اولادها وما تروى كان كي تشرب من دمهم» كما يقول المحامي رضا اخر الفيلم بعد موت حسون.

هل التاريخ المكتوب حقيقي؟
هل كل الحقائق كتبت؟ هل كل ما نتناوله من تاريخ تونسي هو حقيقي؟ هل كل اسماء الزعماء ورجال الدولة في تلك الفترة كانوا صادقين وولاؤهم الأول لتونس؟ هل كل رجال الخزب الدستوري كانوا صادقين موالين لراية تونس ويسعون حقا لاستقلالها ام انهم «ماريونات» تحركهم فرنسا؟ اسئلة عديدة ستواجهك وأنت تشاهد فيلم «ولد العكري».
بداية السؤال يخامرك وأنت تحاول معرفة الاسماء المكتوبة في تلك الورقة السرّ التي سرقها حسّون من مكتب الضابط وسلّمها الى من يوصلها الى المكتب السياسي للحزب، ورقة تحمل أسماء كثر ومنهم من يتمتع بمركز في الحزب الدستوري ومع تسابق الاحداث يطلب من حسون اعدام تلك الوثيقة لان المكتب السياسي طلب ذلك، تتواصل احداث الحكاية وخيوط اللعبة فتجدك امام جندي خسر الكثير ليثبت انتماءه الى وطنه الام تونس التي جازت «الاخرين» الذين وجدت أسماءهم في لائحة لل «القوّادة» ليحتلوا مناصب في الدولة بعيد الاستقلال.

«تو معقول ناس اسماءهم في الورقة يحتلون مناصب في الدولة» كما يقول حسون في الفيلم، لتكون الاجابة اخر الفيلم على لسان المحامي «نعتذر منك اخذنا حماس السياسة فنسينا الوطن، حماس السياسة جعل منا انتهازيين نفكر في ذواتنا فكرت في مسيرتي ونسيت الجميع» ما قاله المحامي عينة عن الكثيرين الذين استغلوا انتماءهم أو قربهم من الحزب وتمتعوا بامتيازات في دولة حديثة البناء، جمل بها الكثير من الايحاء عن حقيقة التاريخ المكتوب من خلال مشهد حرق الورقة التي تحمل اسماء خونة الامس وقادة اليوم، تحرق الورقة دون ان يعرفوا ان هناك نسخة اخرى لدى المعلم، وكانّ بالمخرج يؤكد ان للمربين دورهم ايضا في اعادة قراءة التاريخ.

ولد العكري فيلم محمّل بالجراح، جراح بعيد الاستقلال، جراح مازالت مرسومة في الذاكرة الجماعية التونسية جراح تطرح اسئلة عن روايات اخرى وتبحث عن اجابات اخرى غير تلك التي رواها بورقيبة اسئلة عن «حرب بنزرت» مثلا؟ فولد العكري يدعو التونسيين الى اعادة قراءة تلك الفترة واعادة البحث عما حدث بعيدا عن عاطفة الحزب الواحد «حسون انت شاب وتونس تستحق في هذه الفترة ادمغة ابنائها، مكانك هنا، تونس تستحق فكرك لا الرصاص» كما يقول المعلّم اثناء محاولة حسون ثنيه عن قرار التطوع في الحرب.
في ولد العكري يدعو المخرج التونسيين الى اعادة قراءة التاريخ، يذكّرهم بأبطال تم نسيانهم ونسيت ذكراهم، وقادة كانوا «خونة» فأصبحوا اصحاب القرار الاول، فهل سيعاد فتح التاريخ ومحاولة تلك الجراح لعلّ الذاكرة تشفى ؟.

الشابة استوديو مفتوح
جميلة وهادئة تلك المدينة، ساحرة ومواطنوها جد متعاونين، الشابة من ولاية المهدية المدينة الحلم، هناك لازال للبحر سيادته ولازال لبساطة السكان بهرجها، الشابة مدينة على البحر جد جميلة بدت في الفيلم وكانها صورة مأخوذة بعدسة مصور محترف، الشابة مازالت جميلة وتحافظ على طابعها الريفي البحري يمكن ان تكون استوديو مفتوحا للتصوير، سبق وان كانت فضاء للأحداث في مسلسل «الدوامة» لعاطف بن حسين ونجدها فضاء للأحداث في فيلم «ولد العكري» الشابة مدينة جميلة ويمكن ان تكون وجهة سياحية متى تمّ التعريف بها جيدا.
واختيار الشابة ربما ليس اعتباطا لانها ومنذ الاستقلال عرفت انها مدينة لليسار و اليوسفيين ايضا مدينة تجمع كل التوجهات السياسية لذلك هرب اليها «حسون» وكان المخرج يدعو إلى حرية التوجه السياسي والتعددية بعيدا عن منطق الحزب الواحد و «الدار الكبيرة».

عاطف بن حسين مقنع في لهجته المحلية
من ابطال فيلم «ولد العكري» عاطف بن حسين ابن مدينة الشابة التي دارت فيها احداث الفيلم، عاطف بن حسين نجح في دور «المعلم» ابن الجهة، للهجته الشابية مميزاتها تحدث بطلاقة بحرف «ڤ» (ثلاث نقاط فوق القاف) وكان مقنعا لم يصطنع اللهجة واثبت أن لها حلاوتها في النطق ويمكن للمتحدثين بها أي بالـ «ڤ» بها أن يكونوا معلمين ومؤثرين في الدولة وليسوا دوما على الهامش.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499