العرض الأول لـ«الزردة» لكمال الكريمي: «زردة الجريدية والهمامة» عرض ثريّ ومختلف فهل يكون على ركح قرطاج؟

بتوقيت قبصة كان الاعلان عن موعد للمتعة والنشوة، بتوقيت قبصة اقدم الحضارات في أرض افريقية كان اللقاء

مع سحر النوتة وجمال الغزل ورقة الآلات الموسيقية التونسية، بتوقيت قفصة كان الرحيل الى نخلة واد الباي و التجوال في وادي بياض و اكتشاف راس الكاف و زنوش والقطار و سيدي بوزيد و الجريد والعودة الى تراث الجريدية والهمامة، يتوقيت قبصة تكون الموسيقى عنوانا للتأريخ ومحملا للذاكرة، لحظات او ساعات من تذوق اجمل النغمات في عرض اسمه «الزردة» لكمال الكريمي.

«الزردة» العرض الحدث، عرض وليد يجمع كل الموسيقات والفنون تقريبا، جميعها تماهت في عرض موسيقي يخدم السياحة وينقد الواقع ويقدم التراث المادي والشوفي لمنطقة الجنوب الغربي، عرض وكأنه كتاب تاريخ مفتوح يحدّث القارئ عن قفصة.

الموسيقى هوية
صوت الناي يناديكم فلبوا النداء، صوته الرقيق يغازل ارواحكم فهلاّ استمعتم الى ما سيرويه بانينه، لكم ان تستمعوا وبعدها تحكموا على ما سيقول، الناي سيكون عنوان العرض وعنوانا للهوية الموسيقية المنسية، الناي فاتحة العرض، موسيقاه تمس الروح وخلجات النفس لترحل الى ربوع قفصة وتستمتع بالزردة، وهي كلمة من اللهجة التونسية ومعناها «الوليمة» و في العرض يكون مفادها «الحرية» لان الزردة اكثر انفتاحا من الحضرة والزيارة، فالزردة في مفهومها الطقوسي تجمع عادات مختلفة منها المأكل والمشرب والزيارة والحضرة جمع كل الشعائر التي يمارسها البعض اثناء زيارتهم لمقام اي ولي صالح.
في «الزردة» تماهت الالات الموسيقية، مع الناي تكون «الزكرة» في اطار التجديد الموسيقي للمرة الاولى تكون موسيقى الة الزكرة في نوبة «القادرية»، مع الزكرة تحضر الطبلة سيدة العروض دوما تلك الالة صاحبة الصوت المجلجل كما امزار انزار الاه المطر، وفي المسرح البلدي تساقطت اولى قطرات رذاذ موسيقى انعشت الروح القفصية بنغماتها المميزة ونادت «فرسان العسة» ليلبوا نداء مدينتهم قفصة البيّة ليبحثوا في موروثها ويزيلوا عنه غبار النسيان.

وللقيثارة سحرها، لنوتاتها غنج ودلال امرأة عاشقة، موسيقى شامخة كما نخلة واد الباي، جميع الالات التونسية والغربية تماهت نوتاتها واتحدت نغماتها لتقدم للمتفرج عرض الزردة وتذوّقه القليل من تراث الجنوب الغربي، مع اغاني «الحمروني» و «فرسان العسة» و«جيب دوايا» و «عايروني بيك يا حمة» و مجموعة من الاغاني جمعت الفلكور والأغاني الصوفية في عرض واحد يبحث في تراث قفصة وتوزر وسيدي بوزيد في ساعتين من البحث ينكشف ذاك التراث الزاخر الذي يتطلب المزيد من البحث فما قدم هو نزر من تراث شفوي وغنائي لو كتب لكان مجلدات والمميز في العرض هو تقديم اغان بتوزيع جديد من جهة والبحث في الاغاني غير المعروفة من تراث الجهة، فالعمل على التراث يتطلب الكثير من الجهد و من حق الصغار معرفة تراثهم بموسيقى يستسيغونها لذلك اعدنا توزيع عدة اغان كانت من مقومات العرض على حد تعبير كمال الكريمي صاحب عرض الزردة.

الجسد لغة وتأريخ
خمس لوحات راقصة، لكل رقصة حكاية، لكل رقصة مرجعيتها ودلالاتها، لكل رقصة الوانها الخاصة ولكن جميعها اشتركت في الجذر الواحد وهو تقديم موروث قفصة، الحلي القفصي، التخليلة بلونيها الاسود والاحمر ، الحرام الجنوبي بكل اشكاله العصرية والتقليدية و «المشطية» بكل الوانها و «السخاب» برائحته المميزة و«الخمسة» و«الخلال» جميعها زينت العرض وكان عنصرا لنجاحه، الوان تونسية الروح والمنشأ، اللباس القفصي والبوزيدي واللحفة التوزرية، الخطوة التقليدية الشعبية والفلكلورية، جميعها تماهت وتمازجت لتقدم للجمهور ابهى اللوحات في عرض تونسي الروح ، تونسي الانجاز والتوزيع، على الركح ابدعت عواطف مبارك، جسدها كان عنوانا للوحات راقصة مميزة، بجسدها تحدثت عن قفصة وتاريخها، عن الزردة بمفهومها الطقوسي التعبّدي، عن «زيارة» الولي الصالح وكيف يتقربون اليه، جميعها حكايات كان جسد عواطف مباركي المطية اليها، تلك الممثلة المسرحية ابدعت في نقل حكايات الزردة، كتبت لوحات مميزة ابهرت الجمهور في المسرح البلدي لوحات جمعت فيها بين المسرح والرقص لتحملنا الى عادات الزوار في الجنوب الغربي.
الرقص توثيق، الرقص تأريخ وبحث في الهوية، الى جانب اللوحات الحية هناك لوحات اخرى «غير متحركة» لوحات تقدم اللباس اليومي والعادات والتقاليد لتلك الربوع، اي ان الراقصين يصعدون على الخشبة ويقفون في حركة واحدة دون تغيير لتلتقط الكاميرا الصور وتخزّن العين بعض العادات على غرار لوحة «الصوف» مثلا لوحة تجلس فيها النسوة على الارض احداهن تحمل «القرداش» والأخرى «المغزل» وهي الات تقليدية لانجاز الصوف، والرجال وقوفا يلبسون البرنس وقد صنع من الصوف ووكانه احالة الى الحرفة اليدوية كيف تبدأ بالصوف لتنتهي لباسا جميلا تونسي الروح، بالإضافة الى لوحات المحفل، والعرس و الزردة، جميعها تفاصيل عن الحياة في الجنوب الغربي كان الجسد واللباس الوسيلة للتعريف بها.

المرأة ثورة...المرأة رمز للنجاح دوما
هنّ الحياة، هنّ المطر، هنّ السعادة، هنّ الجمال وهنّ الفنون، هنّ الثورة وسر النجاح، هكذا نجد المرأة في عرض الزردة، على خلاف العروض الصوفية لم تكن المرأة على الهامش، بل هي عنصر اساسي في مقدمة الفنانين، تغني وتصدح بصوتها عاليا «المرأة في الزردة عنصر اساسي، المرأة في المشهد الثقافي كذلك لذا أردناها أن تكون حاضرة ومن ركائز عرض الزردة لا نريدها على الهامش» كما يقول الكريمي، في الزردة كانت المرأة عنوان للجمال، بالوان تونسية مميزة غنت و قدمت اللوحات الراقصة و امتعت الجمهور باللهجة القفصية «السمحة» كما علقت احدى الصغيرات.

العرض..نقد للسياسي ودعوة الى التغيير
«قفصة مهيش كمشة تراب... قفصة العيون, قفصة الجبل, قفصة الواحة, قفصة السياحة المنسية” هكذا يقول العرض عن قفصة، العرض موسيقي أتحدت فيه كل الفنون، عرض تونسي قفصي يقدم موروث الجنوب الشرقي، ولكنه ليس مجرد فرجة بل غنيّ بالرسائل النقدية الموجهة للسياسة العامة، في عرض الزردة يخرج الراوي «كمال بوزيدي» بالشاشية واللحفة الجريدية والجبة ليحدث الجمهور عن قفصة، من الحضارة القبصية الى اليوم، بالموسيقى يتجول الجمهور في ربوع قبصة، ستجدك بين الجبال او ربما تشاهد موقع الرمادية “الكدية السوداء بحي الدوالي” التي يحتضنها جبل العسالة بالقرب من واد بياش، او تستمتع بسحر الواحات في «لقطار» أو تشاهد صخب الاطفال في واد الباي او تستمتع بسحر الغروب في عرباطة وربما ستستمتع بمنظر الجبال في واد الطفل، هكذا هي قفصة الواحة والجبل، قفصة مناطق سياحية وأثرية تاريخها ضارب في القدم، قفصة ليست فقط مجرد فسفاط وتراب بل مجموعة من المواقع السياحية والحضارية والثقافية وجب استغلالها والتعريف بها لتكون للسائح فرصة لزيارة البلاد، في الزردة نقد للسياسة في البلاد، نقد للنمط الواحد ودعوة الى التعددية، دعوة

الى ضرورة التعريف بموروث قفصة، دعوة لزيارة السند والقطار وسيدي عيش والاستمتاع بكل جزئيات المدينة وثقافتها وربوعها فقصة «البية» كما يسميها أبناؤها عنوان للحضارة والتاريخ والتنوع الثقافي والتاريخي والبيولوجي والبيئي والفلاحي والسياحي، قفصة عنوان للحياة وفي الزردة كانت الموسيقى دليل الجمهور لاكتشاف تلك الربوع.

الزردة عرض موسيقي يقدم موروث الجنوب الشرقي، عرض عماده طلبة شعبة «المعلمين» جميعهم تمازجوا ليقدموا عرضا موسيقيا مختلفا، في العرض ابدع الطالب مجد صعدولي ابن المكناسي الذي كان شامخا معتدا بتراث سيدي بوزيد والشعر الشعبي بدا فصيح اللسان ومتقد الذهن ، امتع الجمهور بطريقة القائه المختلفة، ليكون هو الآخر عنوانا لنجاح العرض مع حنان العبيد وصابرين عياري و اسماء خشناوي وكمال بوزيدي وعماد بوعجيلة ومحمد حسني عبد الباسط بوجلال والفايزة النوري وغيرهم.
ميزة الزردة انه عرض مختلف ابتعد صاحبه عن تقليد العروض الصوفية الموجودة صنع لنفسه ولجهته عرضا يخصها، عرض مختلف يثري المشهد الثقافي، عرض يستحق ان يكون في افتتاح مهرجان قرطاج الدولي ليعرّف الجمهور في العاصمة بتراث الجنوب الغربي للجمهورية التونسية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499