فيلم «شرش» لوليد مطّار: رحلة بين الشمال والجنوب... وما خفي كان أعظم

على وقع النّقد الفنّي سار المخرج السّينمائي «وليد مطّار»، نقد فاقة الدولة وهشاشة الاقتصاد ومأساة الفئات الضّعيفة،

توسّل «الكوميديا السّوداء» ليقي الجمهور عنف الخذلان وقساوة الواقع وعبثيّة السّلطة عبر فيلم «شرش» الذي تأرجحت أحداثه بين ضفتي المتوسط فطرح مفارقات كبرى بين الشّمال والجنوب وتركت في الأنفس مبهمات وتساؤلات.
إثر إحرازه ثلاث جوائز في الدورة الأخيرة من أيام قرطاج السينمائية ومشاركته في عدّة مهرجانات، يتواصل عرض فيلم «شرش» - بمعنى الرياح القادمة من الشمال والتي يتعذر بوجودها الخروج إلى الصيد وفق مصطلحات البحارة في تونس- في دور العرض.

كسر الأحكام المسبقة
ارتكز «شرش» بالأساس على الرّمزيّات وتبدأ أولا من الاسم فريح الشمال حسب ما بيّنه الفيلم، هي دعوة الضفة الشمالية للمتوسط لشباب الجنوب الذي تكبّله أغلال الدّولة وهي على حدّ سواء تبيان لواقع المناطق الصناعية بشمال فرنسا وإبطال للأفكار المغلوطة التي يستبقها العرب عنها، فهي ليست جنّة الجنان كما يظنّون.

تهميش طال العرب والغرب
عالج «وليد مطار» المخرج التونسي القاطن بفرنسا منذ سنوات معضلة تهميش الأقلّيات، سلّط الضوء على حيواتهم، تغلغل في أفئدتهم ورصد طموحاتهم وآلامهم ورجع صدى كافّة أشكال الظلم الاجتماعي والاقتصادي والسّياسي وزد ما شئت من الأنواع فلن تخيب.
تنطلق أحداث الفيلم من فرنسا حيث توصد شركة لصناعة المنتجات الجلديّة أبواب معملها لتنقله فيما بعد إلى أحد بلدان الجنوب -وهو تونس-فيجد «هرفي» (فيليب ريبو) بصفته الشخصيّة المحوريّة في الجزء الفرنسي من الفيلم نفسه بعد تجربة عمل دامت ثلاثة عقود ونصف تكبّد فيها تعباً وعناءً موجّها إلى دولة غريبة عنه دون تعويض يذكر أو توفير أبسط الحقوق النقابيّة والتغطية الاجتماعيّة.

الجسد بضاعة
وهناك تتقاطع المتضادات وتتلاقى المسافات حيث برز الجسد كبضاعة، بضاعة تشترى وتباع بين الشمال والجنوب والشرق والغرب معاً، لتجمع «فؤاد» (محمد أمين حمزاوي) بطل الجزء التونسي ب»هرفي» وفي بداية هذا الاجتماع لعبت «الكوميديا السوداء» دورها إذ التقت نظراتهما في وقف حركة السير بالعاصمة تونس أحدهما يركب حافلة سياح والثاني قطارا، ولا يمكن المرور من هذا المشهد دون التوقّف عند الاحتراف الذي شمل الجانبين الفنّي والتّقني رغم أنه مشهد صامت أظهر عبقريّة «وليد مطار» في جمع الجديّة بالفكاهة والدّقة بالضبابيّة والتّلميحات بالمكشوفات.
يعيش «فؤاد» حياة بائسة ترتطم على حافة البطالة تارة والفقر واليأس والعدم تارة أخرى ولكن «كريمة» (عبير بناني) هي متنفسه الوحيد الذي سيدير ظهره إليه بدوره (لتستبدله برجل الجمارك) ككافّة مقوّمات الحياة الكريمة، وهنا ظهر الإنسان بصورة البضاعة مرّة أخرى، جسد يباع، جسد يوزّع الحب لا من أجل الحب بل من أجل الحياة... ألهت «كريمة» الجمركي «صاحب البضاعة» ليستطيع حبيبها أن يركب الشاحنة ويهاجر بطريقة «غير شرعية» مع بعض الأحذية إلى فرنسا.

شرش ثورة سوسيولوجية
وهنا تظهر للمتفرّج مرآة، مرآة تعكس وجوه نسبة هامّة من شباب تونس الذي نفذت بطاريّة حلمه وذبلت آماله وضاق قلبه ذرعا بالسياسات الليبرالية التي تعتمدها الدولة للتدخل في شتى أمور الإنسان –وهو ما عانى منه «هيرفي» الذي تلقّى مبلغا ضئيلا جدّا مقابل أتعابه لسنوات طويلة بسبب عبثيّة الإدارة وحرم من ممارسة شغفه بالصّيد حتى اقتحمت علاقته مع ابنه وقلبت حياته رأساً على عقب-.

ما جسّده «وليد مطار» في فيلم «شرش» هو ثورة سوسيولوجية امتدت على مجتمعين على الأقلّ، فقد أماط اللّثام عن بلد يتشدّق بنزاهته وديمقراطيّته وباحترامه لحقوق الإنسان والمقصودة هنا ‹فرنسا» بينما لا تدّخر جهدًا في تكريس سياسة إحتقار الشّعب.
ومزيدًا من التعمّق في الرّمزيّات والغوص في تفاصيل التّفاصيل يحضر مشهد أكثر من رائع حيث يقتحم البوليس الفرنسي مصنع «هيرفي» لإخماد احتجاجات العمال بخراطيم المياه والعصيّ ليقول أحد المتظاهرين «فقراء يضربون فقراء آخرين، ما أجملها الجمهورية».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499