الثرثرة العقيمة... تغتال الفكرة وتقتل الحياة

في كوميديا سوداء تبحث في اشكال التواصل ومأزق الاتصال، وتفكك علاقة اللسان والإنسان في جدلية الفعل والكلام...

صافحت المسرحية الجزائرية «ما بقات هدرة» عشاق الفن الرابع، مساء الجمعة 11 جانفي الجاري بالمسرح البلدي بالعاصمة في إطار المسابقة الرسمية لمهرجان المسرح العربي في دورته العاشرة بتونس. «ما بقات هدرة» من إنتاج المسرج الجهوي سكيكدة بالجزائر ومن تأليف وإخراج محمد شرشال.
بعد أن اعتلت منّصة التتويج في الجزائر بالحصول على الجائزة الكبرى في مهرجان المسرح المحترف، تسجل مسرحية «ما بقات هدرة» للمخرج الجزائري «محمد شرشال» حضورها على ركح مهرجان المسرح العربي بتونس لخوض غمار المنافسة مع 10 عروض أخرى على جائزة القاسمي 2017.

صرخة متخفية في ثوب مهرّج
لم تكن بهجة ملابس المهرجين وصرخة مساحيق وجوههم إلاّ وجعا تائها في خطوط الألوان ودمعة مختفية وراء ابتسامة ساخرة. وفي اعتماده على سمات المهرج كملامح لشخصيات مسرحيته في لعبة الركح، لم يشأ مخرج «ما بقات هدرة» أن يقدم عرضا كوميديا أو مسرحية ضاحكة... بل كان هذا اختيارا جماليا منه قصد منح حرية أكبر للممثلين في تقمص الدور وإبلاغ المقصود في أداء كوميدي في ظاهره، ناقد وموجع في باطنه...
على خشبة مسرحية «ما بقات هدرة» تحضر المرأة و الشاب والمثقف والمتاجر بالدين ...وتخوض الشخصيات الممثلة لكل الشرائح والأجناس والأطياف حربا معلنة، خفيّة مع الأنا والآخر في عبث لعبة الزمن.
عند المنبع يلتقي المهرجون في ظمأ إلى قطرة الماء ووجه الخصوبة... لكن الجفاف عمّ المكان وفصل الصيف عبث بدورة بقية الفصول في سيادة مطلقة على الأرض والإنسان.

لعنة الكلام ونعمة الصمت
دون سابق إنذار أو منطق سردي معتاد، يقفز بنا المخرج محمد شرشال من مشهد المهرجين العطشى إلى الماء وفصل الشتاء إلى مشهد الشرطي الذي يصادر هؤلاء المهرجين حق الكلام وكأننا بالمخرج يستعير رمز رجل الشرطة في إشارة إلى ضرورة الرقابة على كلامنا ومراقبة أقوالنا حتى لا تتشتت الفكرة في غوغاء الثرثرة، ولا يضيع المعنى في الهوامش الزائدة عن الجمل المفيدة.

أمام خسارة قدرتهم على الكلام، يهرع المهرجون إلى رحلة البحث عن أصواتهم المفقودة بعد أن كانوا يفتشون عن الماء والارتواء... فيقذف بهم القدر في مدينة الأصوات الداخلية. وهناك كان لقاء الصفاء وحوار النقاء بينهم وبين أصواتهم في دواخلهم المتجردة من أقنعة الزيف والكذب والنفاق...
في هذه العودة إلى لحظة الطفولة البريئة، تعود عجلة الزمن إلى الدوران، والفصول إلى تعاقبها، والمياه إلى منابعها... في مباركة من السماء التي جادت بالماء.

طيف مسرح العبث في «ما بقات هدرة»
على ركح «ما بقات هدرة» يحدث أن يتوقف الزمن وأن تتعطل دورة الفصول ... لكن لا يتعطل الكلام الذي يتجاوز الجمل المفيدة ليغرق في ثرثرة لا تنتهي. هي «هدرة» تعرّي الإنسان الذي كثيرا ما يكون عبد اللسان فيتوّرط في قذارة النفاق والخداع والكذب...
وما بين النص المنطوق والإيماء والغناء... حضرت مقوّمات مسرح العبث في العرض الجزائري»ما بقات هدرة» من خلال البحث ما وراء اللغة وعدم الثقة في الكلام كوسيلة من وسائل الاتصال المتعارف عليها حيث تتحول اللغة إلى ما يشبه «كليشيه» نمطي عاجز عن النفاذ إلى عمق الحقيقة وجوهر الأشياء. كما حضر المزج بين الكوميديا والتراجيديا في لوحات من الضحك الأسود والابتسامة الدامعة والنقد الساخر ...

على المستوى الفني والتقني لمسرحية «ما بقات هدرة» حضرت أيضا سمات مسرح العبث والتي تجلت في التمثيل الصامت والرسائل المشفرة ولغة الرموز...
في مسرحية «ما بقات هدرة» من الجزائر حضرت الفرجة في مداعبة نافذة إلى كل الحواس في لقاء ما بين متعة البصر وتساؤل الفكر ...
عند إسدال ستار النهاية على عرض «ما بقات هدرة»، فإنك تغادر المسرح في صمت وقد أدركت أن السكوت خير من الثرثرة العقيمة وفي ذهنك ألف سؤال وسؤال عن الإنسان هنا وهناك ... وفي كل زمان ومكان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499