منبر: فنّ الطفل دليلنا لرؤية عوالـم سحرية مبهرة

يعتبر الفن مجالا للتعبير عن المشاعر الإنسانية ذات البعد الواقعي والخيالي ولما كانت الطفولة مجالاً واسعا ومهما كونها تحمل في طياتها مراحل عمرية مختلفة النمو، فإن رسومات وتشكيلات الطفل تعد

تعبيرات وجدانية وتخطيطات ذات أهمية فهي نتائج تفاعله مع محيطه وتأثره به. فالفن في حياة الطفل هو بمثابة أحلام اليقظة التي يجسدها بكل تلقائية وعفوية فينقل لنا ما يشعر به بإحساس مرهف، فضلا عن أنه فنان مرهف الإحساس بطبيعة تكوينه وبعوالمه الخيالية وببراءة تفكيره البسيط. وتظهر لنا أصالة فنه وهو يلاحق ظله ويبني قصورا من الرمل ويخاطب دماه. وإذا عدنا إلى تجارب الفن المعاصر سنجد أنها تلتقي في جميع خصائصها مع فن الأطفال. كما يلتقي فنهم كذلك مع الأنماط التعبيرية التي جاء بها الفنانون العرب الذين قدموا لنا التسطيح والاختزال والتزامن والتحوير والتكرار والشفافية واستعمال الرمز وإلى غير ذلك.

تعكس لنا الأعمال الفنية للطفل التعبير الفني في أبسط صوره وأسمى معانيه حيث تتميز رسوماتهم بالعفوية والتلقائية وغياب الموانع والحدود، إذ أن تشكيلاتهم ورسماتهم تمر بعوالمهم الخيالية البسيطة فتتميز بالتفرد والأصالة وهو ما يتجلى لنا بكل وضوح في الأعمال الفنية التي تم عرضها مؤخرا في المركب الثقافي بالمنستير على إثر معرض جامعي بعنوان «الفنان والطفل الفنان»، نظمته الجمعية المتوسطية للفنون التشكيلية المعاصرة تحت إشراف السيد محمود قفصية رئيس الجمعية وذلك في الفترة الممتد من 11 ماي إلى 20 جوان. ويهدف هذا المعرض إلى إعطاء الأطفال مساحة أكبر للتعبير عن ذواتهم وعن شخصياتهم الفريدة والمتنوعة. كما تهدف أيضا هذه التجربة المؤثرة في حياة الطفل إلى تنمية وتهذيب سلوك وأفكار الطفل وترسيخ عدة قيم تكاد تنعدم كالحب والتسامح مع كل الكائنات المحيطة بنا في هذا الوجود وحب الحياة والتشبث بكل ما هو إيجابي. بالإضافة إلى أنها سوف ترسم ذكريات جميلة عن الطفولة بعيدا عمّا يشهده العالم اليوم من مجازر مريعة، ويهدف المعرض أيضا إلى دغدغة الطفل الكامن في روح الفنان.

وقد شارك في هذا المعرض العديد من الفنانين التشكيليين والأساتذة الجامعيين مصطحبين معهم أطفالاً سواء كانوا أبناءهم أو أقاربهم ويتراوح تقريبا عدد الفنانين المشاركين 15 وعدد الأطفال الفنانين 21. وقد جاءت الأعمال الفنية الخاصة بالطفل متنوعة ومتعددة تراوحت ما بين تنصيبات فنية ولوحات زيتية علقت على الحائط كما تنوعت المواضيع والتقنيات والمحامل والوسائط والأحجام، فلكل طفل عالمه الخاص به ووجهة نظره حول ما يحيط به وأسلوبه وطريقته في التعبير عن أفكاره. وهناك لوحتان قد شدّتا إنتباهي الأولى للونا سفطة والثانية لأمين بشير سوف نتناولهما بالتحليل في هذا المقال.

اللوحة الأولى: صورة بألف معنى
تميزت لوحة الطفلة الفنانة لونا سفطة بباسطتها وألوانها المشرقة وهي تتضمن على مستوى تركيبتها البصرية عائلتها الصغيرة حيث رسمة لونا سفطة ابنة الفنانة التشكيلية أحلام محجوب والفنان التشكيلي أنور سفطة عائلتها المتكونة من أربعة أشخاص كل بشكل مميز وكل كما يبدو لها في الواقع بتفاصيله المهمة وبمكانتها في العائلة وخصائها وخصائص كل فرد من عائلتها وهواياته وكأنها تنقل لنا صورة بألف معني. فهي تنقل لنا في الجانب الأيسر من لوحتها حب أباها للبحر والصيد والتزامه بلباس «الدنقري التونسي» كلباس يومي فرسمت لنا لباسه ولونته بالأزرق ورسمت سمكة على كامل مساحة البطن والصدر كما أنها لم تنس رسم نظارته الطبية وتسريحة شعره. ثم رسمت لونا سفطة نفسها بحجمها الصغير وابتسامتها المميزة ورسمت لنفسها فستانا جميلا بالأبيض والأحمر كما تحب هي. وكانت لونا فاتحة ذراعيها لاستقبال الفرح والسعادة وهي تتوسط أمها وأباها في حين رسمت لونا أختها التي تكبرها سنا بجانب أمها وألبستها هي الأخرى فستانا وجعلت تسريحة شعرها خاصة بها لا تشبه تسريحة لونا وأمها وجعلت لون عينيها خاص بها، في حين رسمت لونا أمها وأبيها ونفسها بعينين زرقاوين لونهما فاتح يسر الناظرين ورسمت لونا أيضا لكافة أفراد الأسرة أحذية بألوان مختلفة وميزت بين الرجال والنساء بالفستان والبنطلون.

كما تتميز أيضا لوحتها بالتعبير على المظهر الواقعي مع وجود المبالغة والحذف حيث لجأت لونا إلى حذف وإلغاء كل ما يبدو لها معقدا أو غير ذي أهمية في حين بالغت في التصغير والتكبير وفي التركيز على طول الأرجل واليدين وكبر الرأس بكبر حجم أفكارها واستعملت الأشكال الهندسية والخطوط المستقيمة والمنحنية. وأيضا تمتاز لوحتها بوجد طفيف للعمق إذ أنها رسمت الخلفية بدرجات لونية مختلفة. كما لا تحجب لونا سفطة تفاصيل عناصر لوحتها الباطنية وغير المرئية بل تقدمها لنا بكل شفافية وواضح حيث تعمدت إظهار ما يوجد في الخلف وفي الجانب الأمامي والجانبي للشخوص ويعود ذلك إلى رغبتها في إظهار كل ما تعرفه عن عائلتها الصغيرة وتعبر عن ذلك بكل شفافية. فظهرت الأجساد في حلة الوضوح المثالي والجمال المبهر والرشاقة والحيوية، فهي تقدم للمشاهد كل التفاصيل المهمة في نظرها فلم تحذف لباس العائلة ولا عنصر الشعر ولا الحذاء وكأنها تدور حولهم وتجمع كل ما يروق لها. فكان لكل شكل من أشكالها لون خاص به أو درجة لونية خاصة به ويعد ذلك من العناصر المهمة في بناء الشكل وتكوينه إذ لا يوجد الشكل في غياب اللون. كما أنه للألوان والأشكال دلالاتها وتعبيراتها التي يعبر بها الطفل الفنان على إحساساته العاطفي ومقاصده، لذلك فإن علاقة الشكل باللون من العناصر الأساسية والهامة في العمل الفني وخاصة بالنسبة إلى الطفلة الفنانة ذات القدرة البارزة في تسجيل الملامح وحفظ التفاصيل الدقيقة لونا سفطة.

اللوحة الثانية: العمق اللطيف وحسن التوظيف
أما بالنسبة للطفل الفنان أمين بشير وهو إبن الفنان التشكيلي محمد سامي بشير فهو مغروم بالفروسية وركوب الخيل والطبيعة وهو يمتاز بالذكاء والوعي والجرأة والخيال الواسع والأخلاق العالية كما أنه دائم الابتسامة كما هو أباه، بشوش وطموح. وقد جاءت لوحته صغيرة الحجم غير أنها ذات جودة تقنية عالية فهو يرسم بفطرية وإحساس وتلقائية وصدق الفنان. كما أنه قد ركز على تقنية ابراز الملمس والشكل فجعلنا نشعر بملمس الأعشاب وشكل العصافير في السماء. بالإضافة إلى أنه أحسن اختيار الألوان والتزام نسبيا بقواعد الطبيعة، فجاءت ألوانه شيقة، مبهجة، مبهرة هادئة يفوح منها عبق خاص يلوح بجمال هامس، حالم، منشود ومثالي تتوق إليه النفس ويتناسب وجهه المبتسم وسنه الصغير. كما تميزت لوحته التعبيرية بالعمق الطفيف وحسن توظيف الخط والنقطة والحركة. وهي تحمل في طبقاتها استعداده الفطري للإبداع وخفايا الطفولة وجمالها وعفويته في التعبير عن شخصيته المثيرة والمميزة وأيضا عن ما يجول بخاطره من أفكار وأحاسيس.

وقد اختار أمين بشير رسم عالمه الخاص الذي يجد المتعة والسعادة في التعبير عنه متشبثا بهويته المغاربية، فرسم نفسه فوق ظهر الحصان في جولة ذات يوم ربيع وفي ذلك تعبير على قوته الجسمية والعضلية حبه للمغامرات البطولية وحب التغلب على الصعاب، وقد جاءت رسمته يغلب عليها طابع الحركة والديناميكية. كما نجح أمين بشير في التفرقة بين الفصول وما يتناسب معها من الألوان والأماكن والمساحات وما يتناسب معها أيضا من مفردات تشكيلية فهو يعرض لنا مشهدا بصريا ملموسا بذوق سليم. فقد رسم السماء زرقاء بلون البحر وجاءت هذه الأخيرة تمسح أكثر من نصف مساحة اللوحة تعبيرا منه عن كبرها مقارنة بالأرض. كما رسم قرص الشمس بلونها الأصفر في الجانب الأيمن من اللوحة، وفي منتصف اللوحة رسم أمين بشير نفسه ممتطيا حصانه بشموخ الزعيم الحبيب بورقيبة ومرتديا قبعة الفروسية. كانت الرسمة في مجملها قائمة على خط الأرض هو خط أفقي تقف فوقه كل الرسومات ويتكرر هذا الخط في رسمته فيتخذ خط أفقي للأعشاب والطبيعة وأخر للحصان.

لقد اتبع أمين بشير الأسلوب الواقعي المبسط فأعادتنا لوحته إلى مرحلة الطفولة وعهد الصبا كما داعبت خيالاتنا وحركت فينا ما رحل مع الزمن الغابر بلا عودة وهنا تكمن قدرته الإبداعية وجمال الخطوط والنقاط وقدرته على حسن توظيفها في خدمة التأثير والإيحاء إذ أنها فعلا تركيبة تشكيلية قادرة على استنطاق الماضي الجميل.

الخلاصة: غوص في الأفكار والخيالات
إذن وبالنظر إلى ما جاءت عليه لوحة كل من الفنانة الطفلة لونا سفطة والفنان الطفل أمين بشير نستنتج أن فن الطفل يجعلنا نغوص في أفكارهم وخيالاتهم نظرا وأنه يرتكز على الحس المرهف والرؤية الخيالية وهو بالتالي فن خيالي متحرر من كل العقد ومركبات النقص والتقليد. وهو يقرب إلى فن الرومانسيين في بعده الخيالي وإلى السرياليين في مراوحتهم بين الوعي واللاوعي. فظلا عن أن فنهم لا يختلف على ما جاء به التيار الفني «كوبرا» على مستوى صياغة الأشكال واللون والرموز. وبالنظر إلى مجمل اللوحات نلاحظ أن فن الطفل ذو ضوابط فنية ونفسية عميقة مرتبطة بسن الطفولة وبالتالي ليس من السهل أن يدلو كل من هب ودب دلوه فيه.

عفاف النوالي
باحثة تشكيلية

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499