إضاءة: علي يترجل والراية لـم تنزل

من أصيب بداء البيئة فليلتمس دواءه فيها.. خمسون عاما من الترحال،

بحثا عن البلسم الترياق لوجع في قلب الأرض وسطحها المنجرف، المتداعي تحت وطأة الساكن المتعجرف الشقي..
لم تكف خمسة عقود حبيب البيئة والشجرة والحياة البرية علي الغربي، وظل شوقه لفعل بيئي معتاد في ازدياد..وشوقه لحال أفضل لمحيط البلد في اتقاد..
لم ينزو صديق الصيادين ورفيق المصيد ونصير الغابات والمحميات ناشدا حقه في راحة المحارب، فأشجار النخيل تموت واقفة..
لم ينثن العزم،ولم يخب برغم السنين الطوال وعبء المرض..

مات رجل ، وتستمر الحياة، رحل من ظل دهرا يرقب المارقين ويترصد المخالفين لنظم البيئة المتسترين بدجى الليل وعتمة الخلوة العابثين بمقدرات الحياة البرية ومخزون الطبيعة..
عاش الرجل، يسير في الأرجاء يبذر الأمل في وقف النزيف وردع الجناة، يبشر بغد بيئي أجمل.

قبل أشهر عاد متحسرا من جولة إلغاء الراية الزرقاء بعد عشر سنوات من الإشعاع، تأسف وشعر بخيبة كبرى لما يرى من حجم خسارة البيئة جراء قرار بدا له ارعن..
يتوارى رجل طالما انتصر لديمومة المصيد وثابر لديمومته وترصد المخالفين باستماتة غريبة، مواصلا عطاءه بلا كلل حتى ساعات عمره الأخيرة..

بصمات الرجل معالم في مسيرة أجيال من مناضلي البيئة وأنصارها الذين يعدونه مرجعا وملهما لصون الحياة البرية والعمل من أجل نقاوة المحيط وتحصين الغابات ومخزونها النباتي والحيواني..
مبكرا ظل ككل صديق للبيئة، متناسقا مع نبضها متوثبا عاش كل فجر لرحلة عطاء جديدة.. بروح من الإيمان أن الحق ينتصر، والحكمة تقود وتعلو، دأبه كان التشاور، ديدنه المراهنة على نخبة من رفقائه الفنيين والمهندسين والناشطين والجغرافيين..
الحاج علي الغربي، يرحمه الله، حامل قبعات خضر، الوطن المخضوضر استوطن قلبه الطيب العجيب، وحرضه على بلوغ الممكن اللامتناهي الرحيب..

مشروعه اليومي إضافة متجددة لبنيان حماية المنظومة البيئية ، وصد أكبر قدر من المخالفات ومحاولات الاعتداء على البيئة ومنع التلوث والإخلال، وهو ما كان جوهر آخر مشروع (أوديسا) افتتحه يوم رحيله، لتركيز شبكة متطورة لرصد التلوث بخليج قابس..
نبرة الثقة و الأمل الدافق الملفلفة حديثه، تتردد في اسماع أهله، ومن عرفه وعاشره، لم يعن لأحد أن يسأله ، من أين تأتي بنهر حب الخير والبساطة الواثقة كلها؟
في المشهد البيئي والجمعياتي معالم، وشخوص في مقام الرواد والمناضلين، الصادقين، روافد نهر بيئي وطني كبير لا ينضب..

فالمرء حديث بعده، وعلى غرار علي الحيلي، محمد علي العبروقي، وآخرين..تستمر الحكاية، فصول فكر وتجربة ونظم وتقاليد عمل ومؤسسات أسهموا في إرسائها وسنن حسنة، رسموها، لهم أجرها ومن تبعهم بها..
رجل بيئي، أعطى بلا كلل ، ورحل في أوج العطاء، مخلفا رصيدا زاخرا من المآثر ومحبة الذين عرفوه، وعرفان أجيال من التلاميذ في المدرسة الغابية والفلاحية والبيئة والجمعياتية,,أحبوه، فدونوا في القلب ذكراه، وعاهدوه مخلصين على السير على خطاه..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499