آفاق السلطة والمجتمع المدني

يشكل انعتاق المجتمع المدني والحيوية الوليدة التي عرفها، بفعل عوامل جديدة عرفتها بيئة البلاد بعد ثورة 17 ديسمبر/14 جانفي 2011 واحدا من مؤشرات

بداية نضوج مشروع مجتمعي رسمته آهات أجيال من مناضلي الرأي والتعبير والتفكير الحر على امتداد عقود، منهم من آمن بالحق في البيئة السليمة وبذل وفق ما أتيح في الحقب السابقة ولم تذهب جهودهم سدى.

ذاك ما تؤكده يوميا مبادرات الجمعيات والجامعات والشبكات العاملة في حقول التنمية المستدامة بشتى تفرعاتها وتمظهراتها ، وأعلنته عشرات الجمعيات المشتركة في تنزيل مقررات دورة منتدى تونس للمجتمع المدني المنعقدة حديثا بالعاصمة، والتي انكبت في مركز المواطنة والديمقراطية بنابل على ترجمة إرادات المجموعات والفاعلين، في تحويل حلم الأجيال الراهنة والقادمة وفق منظور الجيل الجديد من حقوق الإنسان، وفلسفة أهداف التنمية المستدامة المعلنة سنويا، قبل ثلاث سنوات.

ناشطو الجمعيات استحضروا بمرارة أوجه العلاقة التي كانت تسود قوى المجتمع المدني الضامر والهش قبل عقود، وصوته المبحوح والمخنوق، وأعلنوا ن لا سبيل لنكوص، او مراجعة لحقوق في اتجاه التضييق.

ارتقت الخواطر والهمسات، إلى طور المأسسة والترجمة العلمية والمنهجية لرؤى حملها أفراد من نخب التربية والهندسة والحقوق والاتصال وغيرهم، وكرستها بعض الجمعيات والمنظمات مشاريع نموذجية لتحسين البيئة وتحصين الفئات الهشة من التهميش والضياع.

ولامست الأفكار المتداولة صيغ رسم خارطة طريق للجمعيات والمنظمات المعنية بالتنمية المستدامة، لإعادة ترتيب فعل المجتمع/الدولة، نحو بناء متين لمشاركة مواطنية شاملة وواعية في تكريس مختلف الحقوق عبر أطر دستورية، منها هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة، المرتقب تنزيلها، ومشاركات منسقة لمختلف الفاعلين دون شذوذ واستثناء في حماية وتثبيت وتكريس تلك المبادىء والحقوق، بدءا من البرلمان، مرورا بالسلطة التنفيذية بكافة أذرعها وأجهزتها.

ليس على طاولة المجتمع المدني نص منزل من جهة ، أو قرار يحد من حرية الفكرة وامتداد مجال الحركة، فالشعب جدير بحياة راقية وكريمة وتنمية مستدامة تكرس عمليا لا مجرد شعار براق يزين المواكب وينمق السياسات.

ذهبت الجمعيات لحد اقتراح إنقاذ التنمية المستدامة من ضيق الرؤية العمودية، المقصورة على مؤسسة حكومية، وعزلها بإدارة وحيدة ضمن وزارة فنية، إلى تشكيلها ضمن هيئة جامعة للوزارات، تمتد أفقيا وتضم فاعلي الدولة والمجتمع، ولا تخضع بالضرورة لهيكل تنفيذي واحد بما قد يحد من روح التنمية المستدامة ومقدرة الهيكل البيئي المعني به في تكييف سلوك بقية الأطراف وإلزامهم باحترام ضوابط الاستدامة.

وفي أعقاب الجولة الجهوية الأولى من مشروع منتدى المجتمع المدني، اندلعت أسئلة، برغم كثرة المحاولات والأجوبة..

كيف للمجتمع المدني أن يقول كلمته ، ويصدع بها وتسمع ولا تبقى حبيسة محاضر جلسات وسجلات مداولات الجمعيات والمنظمات والمؤسسات؟

كيف السبيل لأن ينفذ المعنيون، أصحاب القضية، ممثلو شرائح المجتمع، وحاملو لواء القيم السامية من عدالة وإنصاف ومساواة وكرامة ورفاه و.. إرادتهم ويحققوا آمالهم دون ارتقاب منة من جهة رسمية، أو موافقة جزئية أو كلية من هيكل تابع للدولة؟

وللتذكير فقد أطلق المجتمع المدني عبر مئات المنظمات الوطنية المحتشدة بتونس أواسط ديسمبر الماضي إعلان البحيرة الداعي لترسيخ مكتسبات الثورة للجمعيات وتعزيز فاعليته في مسار بناء واقع تونس الجديد.

قبل اسابيع عرض المفكر العراقي دارم البصام في مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية مقاربة دقيقة حول المرحلة الراهنة في سيرورة المنظمات وتمفصلها مع الحركات الاجتماعية، معرجا على البيئة كواحدة من القضايا التي يمكن أن تكون أحد المحاور الجامعة للمجموعات المناصرة لقضيتهم الأولى.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499