إضاءة: جودة الحياة تنهار تحت الفيضانات؟

ماذا يفيد الخبير البيئي ذو العلم والخبرة إن لم توجد آذان صاغية تتلقى رؤيته وتتبنى ما يقترحه من حلول وبدائل؟

قبل عام تقريبا أطلق الخبير البيئي والإطار المتخصص والمتمرس في قضايا التنمية المستدامة على مدى اكثر من اربع عقود، د محمد عادل الهنتاتي ما يشبه زفرة داعية للانتباه لخطر كبير يهدد المدن التونسية ، في ظل مخاطر الفيضانات العنيفة المتواترة بأنساق ووتائر غير معتادة,,

وقد جاءت نداءات الخبير التونسي تبعا لما لاحظ من تداعيات الأمطار الفيضانية التي عاشتها أغلب مدن البلاد التونسية خلال أسبوعين متتاليين وتبين أن البنية التحتية الكفيلة بتصريف مياه الأمطار والسيول عاجزة على أن تؤدي وظائفها على الوجه المطلوب حيث غمرت السيول الجارفة المنازل والمغازات والورشات والمدارس والساحات بعد أن جرفت السيارات وبعثرت حركة المرور وعطلت المواصلات في جل مدن الشمال والوسط. إن هذه الأمطار وهي تجرف ما جرفت وتربك ما أربكت من مفاصل الحياة، إنما تجرف ما تبقى من مقومات جودة حياة المواطن التونسي الذي زادت هذه الفيضانات في تكدير حياته وتنغيص عيشه مما يزيد في منسوب الضنك لديه والإحباط فتنزع عنه ما تبقى من أسباب الاطمئنان لديه بعد أن سلبه ضعف الأمن والاستقرار طمأنينة النفس، فكيف تريده يا ترى أن ينشط في عمله ويبذل الجهد المطلوب فيه؟

وطرح الخبير الهنتاتي سؤالا كبيرا حاول من خلاله بداية تفكير جماعي في أصل المشكلة وبوادر الحل، هل أن المشكلة التي تتسبب فيها هذه الأمطار هي مشكلة ظرفية يمكن تجاوزها بعد إصلاح العطب الذي يعطل وظائف قنوات تصريف مياه الأمطار وكل مكونات البنية التحتية التي من شأنها أن تحمي المدن والأحياء السكنية من الفيضان؟

هل أن معاناة المواطن التونسي من مخلفات الأمطار الفيضانية ستتوقف يوما ما في تونس؟

وأكد في مقاربته الخاصة للمشكل أن هناك عدم إدراك كبير لواقع الحال من قبل الأطراف الفاعلة في مجال حماية المدن من الفيضانات، وهو أمر لا بد من لفت نظر المواطن إليه لأن هذا المواطن، في الأول والآخر، هو الذي يتحمل كلفة كل الأعباء والتبعات، يدفعها بانعدام أبسط مقومات جودة حياته وهو الأمن والطمأنينة والعيش السليم.

فعلى المواطن أن يعلم أن ما يقال عبر الحوارات المتعددة التي أجرتها العديد من القنوات التلفزية من أن هذه الأمطار الأخيرة التي لم تتمكن تجهيزات حماية المدن من الفيضانات وتصريف مياه الأمطار من استيعابها وحماية المواطن من كوارثها، هي أمطار شرسة لا تأتي إلا مرة واحدة كل مائة سنة أو ألف سنة، فعلى المواطن أن يعلم أن هذا النوع من الأمطار وأشرس منه أكثر شهدتها مدن تونسية أكثر من مرة خلال العشرية المنقضية، فهي إذا ليست بأمطار نادرة الحصول كما يريد مهندسو المصالح الفنية التابعة للوزارات المعنية إيهام الرأي العام الوطني بها و ذلك للتنقيص من حجم أو ثقل مسؤوليتهم المباشرة في ذلك.

فالمواطن الذي شيد مسكنه حسب تراتيب مثال التهيئة العمرانية والتراخيص الضرورية لذلك، ثم تغمر مياه الأمطارمسكنه، عديد المرات في السنة، فمن يتحمل مسؤولية الأضرار المادية والأدبية وحالة الإحباط التي يعيشها ذلك المواطن المظلوم؟ حسب رأيي فالمسؤول الأول على هذا النوع من الحالات هي الجهة التي تشرف على إعداد أمثلة التهيئة العمرانية التي أدرجت مجاري الأودية المطموسة ظاهريا ضمن المناطق السكنية، وهذا خطأ شائع مازالت العديد من الأحياء العمرانية تعاني من تبعاته.

أما المواطن الذي شيد مسكنه في منطقة عمرانية سكنية حسب مثال التهيئة العمرانية، ثم بعد مدة تم مد قناة لتصريف مياه الأمطار بجوار مسكنه، فتفيض عليه هذه القناة التي تحمل مياه تأتي من مناطق أخرى، وتغمر المياه الملوثة مسكنه وتدخل غرفه وتتلف ممتلكاته وتعكر عيشه، من يتحمل مسؤولية الاحباط والأضرار التي لحقت بهذا المواطن؟ بالطبع المسؤول الوحيد هي المصالح الفنية للوزارة المشرفة على التعمير والتجهيز وحماية المدن من الفيضانات، حيث تبين هذه الحالات المتواترة والمنتشرة في عديد المدن التونسية أنه ثمة خلل فني في كيفية تركيز قنوات صرف مياه الأمطار وحماية السكان المجاورين من مخاطر فيضانها.

أما المواطن الذي شيد مسكنه حسب تراتيب مثال التهيئة بجوار مجرى الواد، وقد تم تجهيز هذا المجرى بمعدات الحماية من الفيضان، لكن لم تصمد هذه المعدات أمام السيول الجارفة التي تحدثها الأمطار الفيضانية، فتغمر المياه المساكن والساحات وتتعطل حركة المرور وترتبك الحياة لساعات أو لأيام، فمن هو المسؤول عن هذه الحالات؟ أليست المصالح الفنية التي أشرفت على تركيز التجهيزات والمعدات الضرورية لحماية الأجوار من فيضان الوادي هي المسؤولة الوحيدة في هذا المجال؟ أليس المواطن هو الضحية في هذه الحال كما في الحالات السابقة؟

وتفادى الباحث والخبير إدراج حالات أخرى تتسبب في تدني جودة حياة المواطن جراء تواتر الفيضانات وما يواكبها من أضرار مادية ونفسية لا يتكبدها إلا المواطن، كحالات البناء خارج أمثلة التهيئة العمرانية حيث يمثل انتشار السكن غير المنتظم حوالي نصف المد العمراني في جل المدن التونسية كبيرة كانت أو متوسطة. هذا التمدد السريع للمدن داخل وخارج أمثلة التهيئة العمرانية ساهم بصفة مباشرة في مضاعفة منسوب السيلان عند الأمطار المعتادة، فكيف يكون الحال عند الأمطار الفيضانية؟ فهل أن ضبط شكل وحجم القنوات التي يتم تركيزها لتصريف مياه الأمطار، والمعدات والتجهيزات لحماية المدن من الفيضانات قد أخذ بعين الاعتبار ارتفاع منسوب السيلان بعد الأمطار؟ أطرح هذا السؤال لأن الواقع الذي تعيشه المدن التونسية بعد كل مطر يلح علينا لطرح هذا السؤال وعلى الجهة المسؤولة أن ترد على هذا السؤال.

فلو كانت الدراسات التي تحدد حجم و شكل القنوات و التجهيزات الكفيلة بتصريف مياه الأمطار و حماية المدن من الفيضانات قد أخذت بعين الاعتبار المنسوب الحقيقي للسيلان لما حصلت هذه الفيضانات بالمدن سواء التي كانت بجوار الأودية أو التي لا صلة لها بالأودية و تشهد رغم ذلك فيضانات تغمر مساكن الناس و تنكد عليهم عيشهم.

ووفقا لما يقرره، بناء على خبرته العلمية الأكاديمية وممارسته الطويلة لمصالح الفلاحة والبيئة والبرامج والمنظمات الدولية المختصة، فإن ما تشهده تونس من تواتر سريع للأمطار الشرسة والفيضانية يؤكد ما استشرفته الدراسات التي تناولت آثار وانعكاسات التغيرات المناخية والتي تبين أن التوزيع الفصلي والتوزيع المجالي للأمطار سيتغير مع ارتفاع ملحوظ في شراسة الأمطار وامتداد في فترات الجفاف، وما كان من مجال الاحتمالات في هذه الدراسات أصبح اليوم من الواقع المعاش. لهذا يجب علينا أن نتهيأ لهذا. وفي هذا المجال لا بد من الإقرار بأن حجم وشكل والانتشار الجغرافي الحالي لقنوات تصريف مياه الأمطار و تجهيزات حماية المدن من الفيضانات لا تستطيع القيام بوظائفها على الوجه المطلوب و بالتالي فإن خطر الفيضانات و غمر المساكن والمغازات والمدارس والساحات بالمياه على إثر الأمطار سيتضاعف في المستقبل، و لهذا لا بد من تدريب المواطن على حماية مسكنه و مغازته بصفة منفردة أو في تعاون مع الأجوار وكما يقال «حمل الجماعة ريش».

أما المصالح العمومية المسؤولة عن حماية المواطن من الفيضانات عليها أن تعدد من قنوات تصريف الأمطار خاصة في المناطق التي تتعرض أكثر من غيرها للفيضانات خلال السنوات الأخيرة إذ أن المصارف الحالية لا تقدر على تصريف هذه السيول الكبيرة التي تحدثها الأمطار. فمن يتحمل كلفة هذه التجهيزات التي فرضتها التغيرات المناخية؟ هل أدرجت تونس في برنامجها الذي عرضته على المجموعة الدولية في قمة المناخ بفرنسا خلال السنة المنقضية كلفة التجهيزات الأساسية لحماية البلد من الآثار السلبية للتغيرات المناخية التي تتسبب فيها الدول الكبرى الملوثة للغلاف الجوي للأرض؟

وفي الانتظار يؤكد الهنتاتي في رسالة مفتوحة عبر قنوات شبكة جمعيات البيئة «فايقين لبيئتنا» مجددا، أن تتحرك وزارة التجهيز والبلديات لتدارك الوضع الكارثي الذي تعيشه المدن على إثر كل مطر، وحتى يتحرك المجتمع المدني لتدريب المواطن على حماية مسكنه من مخاطر الفيضان، سيعيش ذلك المواطن في جل مدن البلاد في ضنك وإحباط وعدم الطمأنينة، فأين جودة الحياة التي أقرها الدستور كحق لكل مواطن يقطن تونس الخضراء.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499