إضاءة: على عتبات الاستدامة...

لم يخب الحديث عن التنمية المستدامة برغم زوال لجنتها الوطنية وجزئها البارز في التسمية السابقة للوزارة، فهي روح ورؤية ومحرك لجهد مستمر يجاوز حدود الفعل

العاجل لمحو بعض آثار الحمق البشري والغباء المدمر لبعض مكونات السفينة..سفينة الأمل التي يشبهها البعض بسفينة نوح..

وللتنمية المستدامة أهداف وخطة تعمل الدول والمجتمعات على الانصهار فيها والانضواء ضمنها من أجل مواصلة تعبيد الطريق نحو مستقبل أكثر وضوحا وأمانا للبشرية..

في غياب لجنة وطنية للتنمية المستدامة أبطلت منذ 2011، وفي انتظار تفعيل الهيئة المستقلة للتنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة، تتعدد أوجه تحركات القوى الفاعلة والهيئات الأممية ومكونات المجتمع المدني لنشر ثقافة النمو المستدام والسعي لتركيز أرضية صلبة تتسم بالواقعية والقابلية للتطبيق في السياق التونسي

من تلك المبادرات التي سجلت قبل فترة قصيرة دورة تدريب وملتقى للتفكير والتشاور حول أسس وأهداف التنمية المستدامة اشتركت في تنظيمها أطراف منها مرصد المنستير الحضري والقطب المدني للتنمية وحقوق الإنسان، والمعهد المغاربي للتنمية المستدامة والمعهد الدولي للديمقراطية وعرفت بالخصوص مشاركة نخبة من الخبراء إلى جانب ممثلين شباب للجمعيات من مختلف جهات البلاد في بحث آفاق ترسيخ الاستدامة كنظم وممارسات في أشكال التفكير والتعامل ومأسستها في مختلف الجهات والمجالات

فمع طرح الإلزامات السياسية والقانونية للحكومات والمؤسسات الرسمية بمتطلبات الاستدامة، يبرز اعتماد مقاربة التربية على الاستدامة كخيار حتمي لضمان اعتماد المنهج في الواقع الاقتصادي والاجتماعي والتنموي خلال المرحلة القادمة

كما تبدو مساهمة المؤسسة التشريعية التي حضرت بوضوح خلال فعاليات الملتقى ، ودور المجتمع المدني بالغة الأهمية لما يتيحه من انسيابية ومرونة نقل المفاهيم عبر ممارسات عملية في مختلف مستويات المجتمع وأنسجته بعيدا عن الإسقاط والاشكال الرسمية والجافة

وقد عرفت البلاد قبل ثلاث سنوات مبادرة جدية مثمرة قادها الخبير وكاتب الدولة للتنمية المستدامة آنذاك منير مجدوب لتأصيل رؤية جماعية تونسية لآفاق تكريس الاستدامة عبر ورشات تفكير جماعي لإنضاج مقاربات تطويع الاستدامة من منظور أربع فئات رئيسية هي الجامعيون والخبراء والإدارة والجمعيات، وقد افرزت بعد مخاض مهم جملة من التوصيات والمتجهات والمشاريع وملامح الرؤية المستقبلية تحمل بصمات أكثر من اربعمائة من نخبنا التونسية، تمت حوصلتها في وثيقة نشرت، وتنتظر لفتة من المعنيين لتحقيق المطلوب من الجهد وتجسيم حلم جيل من البيئيين والمختصين وفاعلي المجتمع وكوادر المؤسسات في تنزيل الاستدامة عبر السياسات والخطط القطاعية وأنماط الاستهلاك والانتاج وغيرها من المتجهات الرئيسية والفرعية الملائمة للواقع والتفكير والاكراهات الموضوعية الطبيعية والمناخية والجغراسياسية والملامح الزمكانية والسوسيو- ثقافية والتي أخذت بعين الاعتبار طوال مسار الورشة الكبرى التي استمرت أشهرا مديدة..

فكما أخطأ من تعاطى مع البيئة ، ومازال، على أنها قطاع، يشبه الدواجن، والصناعات التقليدية ، والترصيف، مثلا، على أهميتها، ومن ثم، قلص من دورها وتأثيرها فأرادها لفرع جزئي يجوز تقليص مداه وضبط حدوده، وإن لزم الأمر تحييده وتجميل مفعوله، مخافة التأثير السلبي على انطلاقة التنمية؟؟
كما إن الاثر المحدود، وشبه غياب للأجندا21 المحلية في الواقع المحلي للمدن والتجمعات، يحتم طرح اسئلة حقيقية ، ما زالت مؤجلة،حول أسباب عدم نفاذ المشروع لشرايين المؤسسات المحلية واعتمادها فعليا كوثائق توجيهية للتخطيط والعمل التشاركي من أجل الاستدامة في المدن التي انخرطت في ذلك المسار؟

فالاستدامة مبدأ حيوي رئيسي لكل مقاربة سياسية ومشروع مجتمعي، يجاوز مجرد الإلزام السياسي بالتصديق على ميثاق أو لائحة، وإنما يفترض انخراطا حقيقيا صادقا وشاملا دونما تردد من قبل مؤسسات الدولة والمجتمع، مما يتطلب حدا أدنى من الجدية في تكريس مبادئها ومقتضياتها .

ففي غياب هيئة التنمية المستدامة، ولجنة وطنية للتنمية المستدامة، وجهاز واضح مسؤول عن فرض هذا الخيار ، يظل الحلم مؤجلا، وتكريس الأهداف رهين مبادرة وحسن نية واحتمال عودة وعي لطرف أو آخر بضرورة تحقيق الالتزام بمضامين أهداف الاستدامة المفصلة عبر مواثيق ولوائح محينة اعتبارا من التحديد الأولي المضبوط في قمة ريو 1992 وما تمخض عنها من مشاريع وتوجهات وبرامج في مقدمتها الاتفاقيات الأممية الثلاث واستراتيجية الأجندا21 الأممية والوطنية والمحلية..

للتذكير ،فقبل عام ونصف بدأ تجسيد أهداف التنمية المستدامة الـ17 لخطة التنمية المستدامة لعام 2030، التي اعتمدها قادة العالم في سبتمبر 2015 في قمة أممية تاريخية.  وستعمل البلدان خلال السنوات الخمسة عشر المقبلة — واضعة نصب أعينها هذه الأهداف الجديدة التي تنطبق عالميا على الجميع — على حشد الجهود للقضاء على الفقر بجميع أشكاله ومكافحة عدم المساواة ومعالجة تغير المناخ، مع كفالة اشتمال الجميع بتلك الجهود.

وعلى الرغم من أن أهداف التنمية المستدامة ليست ملزمة قانونا، فإنه من المتوقع أن تأخذ الحكومات زمام ملكيتها وتضع أطر وطنية لتحقيقها. ولذا فالدول هي التي تتحمل المسؤولية الرئيسية عن متابعة التقدم المحرز واستعراضه، مما يتطلب جمع بيانات نوعية — يسهل الوصول إليها —  في الوقت المناسب، بحيث تستند المتابعة والاستعراض على الصعيد الإقليمي إلى التحليلات التي تجري على الصعيد الوطني، وبما يساهم في المتابعة والاستعراض على الصعيد العالمي.

وعلى الصعيد العالمي، ستُرصد أهداف التنمية المستدامة الـ17 وغاياتها الـ169  من خلال استخدام مجموعة من المؤشرات العالمية التي تعتمدها اللجنة الإحصائية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499