الانتخابات الرئاسية الفرنسية والدرس الإيكولوجي

نبيل بن ابراهم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
حملت الحملة الانتخابية للرئاسية الفرنسية الحالية حدثا استثنائيا وفريدا تمثل

في تبني مرشحين من أبناء الحزب الاشتراكي الفرنسي (واحد ممثلا رسميا له «بونوا هامون» و اخر منشق «جون لوك ميلونشون») «الانتقال الايكولوجي « كاساس لبرنامجيهما ...

لم تكن هذه المرة الأولى التي تعرف فيها فرنسا مرشحا ايكولوجيا للايليزيه ففي سنة 2002 تقدم «بيار رابحي « ببرنامج عميق يذكر بان الانسان كائن طبيعي قبل كل شيء وان الحلول المستقبلية لكل مشاكله تمر حتما بـ«عودته» الى الأرض مذكرا في كل لقاءاته بقصته الشخصية (رفض في بداية حياته العمل كعامل بمصنع لينتقل الى الفلاحة الايكولوجية).

بعد عشر سنوات اختار «نيكولا هيلو» خوض الانتخابات التمهيدية امام «ايفا جولي» في نية لتمثيل كل الايكولوجيين الفرنسيين ولكن النتيجة كانت هزيمته وبالتالي نهاية تجربة سياسية كانت تبدو مميزة على الأقل من ناحية قيمة الأفكار التي طرحها والتي قطعت جذريا مع الطروحات «الكلاسيكية» للسياسيين.

هذه المرة تاتي الانتخابات الفرنسية بعد ان نجحت فرنسا في تنظيم اهم حدث بيئي عرفته المعمورة ذكر البشرية بان كوكبنا يعيش «مازقا» وكان من اهم نتائجه اتفاق عالمي عرف بـ«اتفاق باريس» والذي ترمي فصوله الكثيرة الى «انقاذ» كوكب الأرض قبل نهاية القرن الذي نعيشه .

وابعد من هذا فقد خلف هذا الحدث وعيا متزايدا في العالم وفي فرنسا خاصة بان البشرية تعيش مشكلا حقيقيا بدات مظاهره الخطيرة تظهر في كل القارات (موجات جفاف, غرق مناطق منخفظة نتيجة ارتفاع مستوى البحر و أيضا زيادة تواتر الكوارث الطبيعية مثل الأعاصير ) أدت الى مشاكل اجتماعية كبيرة ناتجة خاصة عن تفاقم الهجرات الجماعية نتيجة فقدان موارد العيش الطبيعية وهذا أدى الى ظهور ما يسمى بظاهرة «اللاجئئين البيئيين» الذين ما فتئت اعدادهم تتزايد من سنة الى أخرى .

يبدو ان هذه الحقائق الكونية الجديدة حملت الاشتراكيين الفرنسيين مسؤوليات جديدة لخصها المرشح «جون لوك ميلونشون» بان فرنسا دولة عظمى وان عليها مسؤولية قيادة العالم نحو سياسات اقتصادية جديدة صديقة للأرض اختزلها بعبارة «الانتقال الايكولوجي» .

هذا الاطار البيئي الاجتماعي جعل من حملة «جون لوك ميلونشون» حملة استثنائية بكل المقاييس قطعت مع الحملات الكلاسيكية للسياسيين التي لا تشخص عادة الأسباب العميقة للمشاكل الراهنة ولا تقترح بدائل مقنعة بل تكتفي بقبول ما هو سائد مع إعطاء مجرد وعود انتخابية في شكل رتوشات لا تغير في الواقع شيئا.

ولاعطاء مثال على ما أقول استطيع ان اعود الى القاء المباشر لـ «ميلونشون» مع أنصاره (الذين قدموا باعداد كبيرة) في سترازبورغ يوم 15 فيفري والذي تزامن مع تصويت البرلمان الأوروبي (الذي هو نائب به) على معاهدة للتبادل الحر مع دولة الكندا : فسر المرشح الاشتراكي كيف ان هذه المعاهدة التي يروج لها على انها ستجلب الخير في شكل بضائع رخيصة الى أوروبا والى فرنسا ستكون في الحقيقة سببا في تازيم الوضع البيئي والاجتماعي في عدة مناطق من العالم الذي قال ان الفرنسيين جزء منه .

قال «ميلونشون» ان تكلفة النقل البحري الرخيصة دفعت رؤوس الأموال الى الاستثمار خارج دولهم مستغلين رخص اليد العاملة في الدول الفقيرة والمواد الأولية التي تكون عادة مصدر نزاعات في دول أخرى لتصل في النهاية الى المستهلك الأوروبي بضائع رخيصة ولكن على حساب أوضاع اجتماعية وبيئية وامنية متدهورة في أماكن عديدة من العالم .

وذكر «ميلونشون» مثلا كيف تنتج المواد الفلاحية بدولة الكندا كاستعمال كثير من المواد الكيميائية التي قال انها أصبحت تسبب الامراض المستعصية او كيف تربى الاف المواشي في أماكن مغلقة بحيث انها لاترى طيلة حياتها القصيرة الشمس لتنتهي في النهاية في اطباقنا .

بكل صراحة قال ان معاهدة التبادل الحر مع كندا هي ضد الانسان وضد البيئة لانها ستشجع على الاستهلاك والإنتاج الرخيص الذي سيأدي إلى حرق مزيد من الطاقات الاحفورية المسببة للاحتباس الحراري والى مزيد من التلوث والى مزيد من الأوضاع الاجتماعية والأمنية المتدهورة في أماكن عديدة من العالم الى درجة انه قال ان مصادقتنا على هذه المعاهدة سيادي إلى «قتل» مناطق كثيرة.
في خضم هذا لا يدعو «ميلونشون» الى غلق الحدود الاقتصادية مع الخارج وانما يدعو الى ما اسماه بـ «الحماية المتضامنة» يقوم على نوع من التبادل والتجارة «الحكيمة» مع الخارج والى ضرورة الاعتماد على الإنتاج المحلي مشددا في الان نفسه على ضرورة الانتقال الى مائة بالمائة من الطاقات النظيفة المتجددة والى التخلي تدريجيا عن الطاقاتالاحفورية وحتى على الطاقة النووية التي وصفها بانها خطر على الانسان .

البعد الايكولوجي يبرز كذلك في دعوته الى ضرورة الانتقال الى الفلاحة الريفية النقية التي وصفها بانها تخلق مئات الاف فرص العمل الجديدة علاوة على القيمة المضافة التي ستقدمها .

ان أفكار «ميلونشون» ومعه «بونوا هامون « الذي يمثل الحزب الاشتراكي الفرنسي تمثل حدثا كونيا مميزا واستثنائيا اعطى قيمة مضافة لانتخابات رئاسية لن تكون عادية خاصة اذا تم الاتفاق بين المرشحين اللذين يحملان نفس المشروع تقريبا على الدخول الى الانتخابات باسم واحد , عندها سيكون لافكارهما الثورية حظوظا وفيرة للمنافسة على الرئاسة خاصة اذا علمنا ان مرشح اليمين الرئيسي (فيون ) ليس في اوج قوته .

ان فوز احد مرشحي اليسار الفرنسي بالرئاسة سيكون مهما ليس لفرنسا فقط وانما لكل العالم لكونية الأفكار المطروحة في وقت يعيش فيه كوكب الأرض احلك فتراته .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499