بدأ منع تداول الأكياس البلاستيكية: الدرس الأول من دروس التنمية المستدامة

لم يكن يوم غرة مارس في تونس مجرد يوم بدا فيه وبالفعل تم منع منح الاكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد من طرف المساحات التجارية الكبرى بل كان في نظري اليوم الذي خطونا فيه الخطوة الأولى في طريق اكثر عمقا اعترف على تسميته في السنوات الأخيرة بطريق «التنمية المستدامة»...

حسب تصريحات السيد وزير البيئة والجماعات المحلية رياض الموخر ستتلو هذه الخطوة خطوات أخرى في شكل امر ينهي بشكل تام تداول وإنتاج وتوريد هذا الصنف من الاكياس التي أصبحت متناثرة في كل مكان لخفتها من ناحية ولعدم تحللها في الطبيعة بسهولة من ناحية اخرى (تتطلب مئات السنوات ) فانت بامكانك ان تشاهدها اليوم في المدينة وأيضا في ثنايا كل ارض فلاحية اومجرى وادي اوحتى في بعض ثلاجاتنا لتجميد بعض المواد الغذائية مع ما يعنيه ذلك من إمكانية دخول المواد الكيميائية الخطيرة التي تدخل في تركيبتها في سلسلتنا الغذائية .

ولذلك كان مطلب الغاء تداولها اكثر من ملح حفاظا على المحيط الطبيعي من التلوث ومن ورائها الصحة العامة للمواطنين .
ولكن ابعد من هذا مثلت حيرة المواطنين الذين وجدوا انفسهم بين عشية وضحاها امام ضرورة إيجاد «بديل» للكيس الذين تعودوا على استعماله لسنوات «الصدمة الإيجابية» الثانية والمهمة فاولا سينشر هذا الوعي لدى اكبر عدد من التونسيين بان هناك أشياء بسيطة تعودنا استعمالها في حياتنا اليومية هي في الحقيقة مصدر خطرعلى حياتنا وثانيا وهو الأهم سوف يؤدي هذا مباشرة الى البحث «الجميل «عن بدائل يمكن لقفتنا التقليدية مثلا ان تكون احدها مع ما يعنيه ذلك من تشجيع واحياء لصناعة تقليدية شارفت على الانقراض في زمن طغيان البلاستيك على كل مادة طبيعية .

الحلول الايكولوجية موجودة وعديدة منها الورق او القماش الذي وقع رسكلته وحتى أكياس شديدة الشبه في مظهرها بالاكياس البلاستيكية ولكن موادها الأولية طبيعية (يمكن الاستئناس بالتجربة الإيطالية في هذا المجال) وما على الصناعيين سوى الاجتهاد.
وهذه النقطة الأخيرة هي في الحقيقة النجاح الحقيقي لهذا القرارالعملي الشجاع الذي اتخذته وزارة الجماعات المحلية والبيئة اذ انه بدا يكرس مثالا عمليا لعملية اكثر شمولا وهي الصناعة البديلة او الاقتصاد المستدام وكل تلك المعاني الجميلة التي أصبحت مطالب لا تهم بلدنا فقط وانما هي أضحت مطالب كونية أمضت عليها تونس في اطار سبعة عشر هدفا امميا من اجل التنمية المستدامة في العالم .

ولذلك من الضروري ان تتحول هذه الخطوة الأولى الى»ديناميكية» تجعلنا لا نتوقف عن مجرد استبدال الكيس البلاستيكي بالقفة المصنوعة من سعف النخيل المتجدد وانما نتجاوز ذلك الى خطوات أخرى مثل إيجاد تحفيزات واجراءات عملية تجعل فلاحينا مثلا يستبدلون شيئا فشيئا الأسمدة والأدوية الكيميائية التي اثبت العلم كذلك ضررها على الصحة العامة بمواد مستخرجة من الطبيعة (وبعضها يباع فعليا في الأسواق في اطار تشجيع الفلاحة البيولوجية) او ان نتخذ إجراءات اكثر جرأة لانتاج الطاقة الكهربائية من الطاقات النظيفة (رياح وشمس) المتوفرة بوفرة في بلادنا خاصة اذا علمنا ان تكلفة انتاجها اصبحت مقبولة ومشجعة وربما ارخص من الطاقات الاحفورية المسببة للتلوث وللاحتباس الحراري وفي هذا المجال يمكن للدولة ان تتمتع بدعم مادي وتقني كان من النتائج المباشرة لاتفاق باريس حول المناخ او

أيضا بإيجاد التحفيزات التي تجعل استعمال الدراجات الهوائية للتنقل داخل المدن عادة تتوسع شيئا فشيئا .

كل هذه الأمثلة ستدفع المواطن والصناعي الى نوع من التحول الذي يمكن وصفه بـ«المبارك» اذ سوف تستبدل وسائل ومواد مؤذية بأخرى «صديقة للحياة» ولكن لن يتم هذا الا بدفع وتوجيه من الدولة ممثلة خاصة في وزارة البيئة التي يجب ان تكون مفتوحة دائما نحو هذا التوجه ولهذا كانت مطالبنا دائما ملحة (في كل مرة تتشكل فيها حكومة جديدة) بافراد وزارة مستقلة تتولى شؤون البيئة .

في النهاية لا بد من تثمين جهود وقرار السيد رياض الموخرالذي استطاع ان يحقق نجاحات رمزية عديدة في فترة وجيزة نسبيا كان أولها دفعه نحو إنهاء الجمود الذي لازم التصويت على قانون الانتخابات البلدية وثانيا منع تداول الاكياس البلاستيكية و ثالثا عمله على احداث هيكل جديد اسمه «الشرطة البيئية» وخاصة تركيزه في كل لقاءاته الصحفية على ذكر فكرة «التنمية المستدامة» كخيار مستقبلي .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499