منتدى الصين و طرق الحرير: مشاريع طرق الحرير الصينية للتنمية أم للهيمنة؟

لم يكذب نابليون عندما قال: «عندما تستيقظ الصين سيرتعش العالم»، وهي المحصلة التي تستشف

اليوم لدى أغلب دول العالم وخاصة الدول الغربية وخشيتها البالغة من الاستفاقة الصينية الهائلة ، في زمن اتسم بانهيار اغلب المسلمات التقليدية التي كانت سائدة في لعالم. وهذه الحقيقة تبرز اليوم في حالة المخاض العسيرة اقتصاديا وسياسيا ما جعل من المرحلة الانتقالية مفعمة بالمصاعب والمشاكل الجيوستراتيجية خاصة.

حاول منتدى «المشاريع الجديدة لطرق الحرير إلى المتوسط وعودة الصين» الذي نظمه مكتب «كونراد أديناور» بتونس جمع فيه طيلة يومين عددا مهما من ابرز الفاعلين السياسيين من تونس والعالم على غرار عمرو موسى الأمين العام السابق للجامعة العربية وعدنان مراد الأمين العام المساعد للجامعة، والوزير ميغال موريتينوس وزير خارجية اسبانيا وسيد احمد الغزالي الوزير الأول الجزائري السابق الحبيب بين يحي وزير الخارجية الأسبق والأمين العام لاتحاد المغرب العربي وثلة من الباحثين والسفراء المرموقين من مختلف دول العالم والصين.

وقد تطرق المنتدى إلى قضية على غاية من الأهمية الإستراتيجية في ضوء المطامح الصينية كقوة اقتصادية وعسكرية وسياسية هادئة وموقعها في القرن الحادي والعشرين الذي تعاني فيه العولمة من وضع لا تحسد عليه فضلا عن عدم قدرة المنظمات الدولية الاستجابة إلى متغيرات الوضع الدولي سياسيا وكذلك مرتكزات التنمية الاقتصادية مع ظهور قوى إقليمية جديدة مثل روسيا والبرازيل والهند وايران والصين الطامحة لموطئ قدم لها خاصة على المستوى الإقليمي والجهوي من خلال الاستجابة لقضايا اقتصادية حيوية لعديد البلدان في إفريقيا وأسيا مع تبني جانب من وجهة نظر الولايات المتحدة الجيوسياسية تجاه العالم .

الحلم الصيني يمر عبر طرق الحرير
لا يبدو الحديث جديدا عن طموحات الصين خاصة لكن ما ألمح إليه رئيس الصين « كسي جيمبينغ» من توجهات مستقبلية لبلوغ المراتب الأولى في العالم في أفق سنة 2049 ، وهي سنة مهمة للغاية في المخيال الصيني حيث تمثل مائة عام لميلاد جمهورية الصين الشعبية كما أوضح ذلك مهدي تاج المدير التنفيذي المساعد لمركز الأفق الشامل بتونس وهو مركز بحث ودراسات استراتيجي . وبين تاج في ورقته أن عالما جديدا اليوم بصدد الظهور وأن طرق الحرير الصينية هي مشروع ضخم وخيالي يهدف إلى ربط القارة العجوز بمنطقة جنوب أسيا وأفريقيا بما يجعل من الصين في قادم السنوات مركز العالم. مضيفا أن هذا الحلم لا بد أن يرتكز على منطق القوة في بعديها الاقتصادي والعسكري ومن ثمة التصدي للعنجهية الأمريكية بمشروع إنمائي جديد وطموح تتلاقى فيه السياسة بالاقتصاد و بالثقافة .

أما الصحبي البصلى رئيس مجلس العمال التونسي الصيني والسفير السابق بالصين فإنه لم يغفل التأكيد على أن اهتمام الصين بالمتوسط ليس جديدا ذلك أن هذه المنطقة فاعلة جدا في العالم رغم عدم قدرتها على تجاوز مصاعبها لكنها تبقى مركزية مع ظهور قوة اقتصادية مهمة مثل ألمانيا في أوروبا والصين بحاجة لهذه القوة لصياغة شراكة إستراتيجية لمجمل المنطقة مشيرا إلى أن الصين وجدت في التجربة الأرجنتينية وتأثيراتها الإقليمية ديمقراطيا واقتصاديا ما يفيدها في جنوب آسيا مع نظرة توسعية وأكثر شمولا .

وبين في نفس السياق أن تونس يمكن له أن تستفيد من هذه الطفرة الصينية أولا بلعب دور محوري بين أوروبا وأفريقيا باعتبارها بوابة المتوسط في الاتجاهين واغتنام التعاون الثنائي في مختلف الميادين بما يحقق للبلاد مكاسب تنموية خاصة داخل الجهات مشيرا إلى أن ما بعد الحرب الباردة هي مرحلة التضامن والمصالح ولابد من النظر إلى العلاقات السياسية من زاوية المصالح .فالحرفاء التقليديون باتوا هم أيضا ينظرون إلى الصين بعيون حالمة وتونس ممكن لها هي الأخرى توجيه نظرها إلى هذه الوجهة التي تحقق نسبا محترمة من النمو قادرة على ضخ استثمارات مهمة في تونس في البنية الأساسية عبر الانضمام إلى طريق الحرير خاصة وأن مشاريع كبرى في مجالات الطاقة وفي السعودية والإمارات بصدد الانجاز ب8.1 مليار دولار .ولم يغفل أيضا مدى انجذاب الصين لمنطقة الشرق الأوسط التي تمثل فيها المبادلات التجارية180 مليار دولار وينتظر أن يتطور هذا الرقم إلى 600 مليار دولار في سنة 2020 أكثر من 60 % منها ستغنمها كل من مصر والامارات وإسرائيل.

وبين البصلي أن اهتمام الصين بالشرق الوسط بالغ الأهمية وهي حريصة على انجاز طريق الحرير العابر للمنطقة سيجعل منه وسيلة لتحقيق الأمن باعتباره جوهريا في اهتمامها بالجانب الاقتصادي .

لم ينكر الحوار العالي الثراء بين المشاركين في المنتدى أهمية طريق الحرير كونيا واستثماريا ، وقد ابرز حمزة المدب أن منطقة المغرب العربي وضعها خاص باعتبارها سهلة الاختراق امنيا وسياسيا وقد تجلى ذلك منذ 2011 إلا أن الاتحاد الأوربي لم يرتق إلى المسؤولية التاريخية حيث لم يقدم لجاره الجنوب وخاصة تونس أية ضمانات أو مساندة مادية بل أنها أدارت الظهر لجارها خاصة وأن دول الجنوب تعيش وضعا اقتصاديا غير جيد في مجمله مؤكدا أن بين أوروبا والمغرب العربي اليوم انفصام هيكلي وهذا ما يجعل طريق الحرير الصيني أكثر جاذبية للدول والشركات في المنطقة.

ولم يخف مصطفى كمال النابلي محافظ البنك المركزي السابق أن التحديات اليوم هي جيوسياسية واقتصادية فيما شدد الخبير العسكري التونسي السيد عكروت على أهمية الطاقة والاقتصاد والأمن في بلورة العلاقات الدولية وبالتالي طريق الحرير مؤكدا في نفس السياق أن الاتحاد المغاربي هو اليوم في غيبوبة ويمكن لتونس إنعاشه. أما الحبيب بن يحي الأمين العام للإتحاد المغاربي فقد أكد أن اهتمام الصين بإفريقيا بدأ من الستينات ، وشدد على أهمية الاستفادة من العلاقات بشكل جمعي في المنطقة بما يجعل التعاون افضل وأكثر ندية في المجمل.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499